نكت وملاحظات حول كتاب “في التدين المغربي” للدكتورة جميلة تلوت
| قئة المقال: | دراسات وأبحاث |
|---|
نكت وملاحظات حول كتاب “في التدين المغربي” للدكتورة جميلة تلوت
عبد الله الجباري (abdellah4144@hotmail.fr)
للسياسة وأهلها مع ما لهم من الإمكانات أثر كبير على الفكر الفردي والجمعي، لذلك لا نستغرب حين نجد للفعل السياسي أثرا على تمذهب شعوب أقطار وأمصار، مثل تشيع إيران التي كانت سنية، أو نشر الفكر الاشتراكي بفعل اقتناع حكام مجموعة من الأقطار به، أو تبني الفكر الرأسمالي بعد سقوط جدار برلين، فالسياسة عنصر فاعل ومؤثر في الجوانب الثقافية بصفة عامة، ومنها جانب التدين الذي لا يمكن تحييده عن هذه القاعدة.
ومنذ الاستقلال إلى سنة 2002، لا نكاد نجد أثرا في المنشورات والمؤلفات عن “التدين المغربي” أو “الخصوصية المغربية في التدين والتمذهب”، وبعد عمليات الحرابة التي وقعت في 16 ماي 2003، تولى وزير الأوقاف الدكتور أحمد التوفيق الإشراف على مشروع “إصلاح” الحقل الديني، حيث عمل على بلورة “إصلاحه” وفق ما أسماه بـ”الثوابت”، وهي في نظره: العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف الجنيدي وإمارة المؤمنين.
من هنا انخرطت الأقلام المغربية في الكتابة والنشر حول “التدين المغربي”، وهذا من تأثير السياسة على المثقفين كما أسلفنا، وهذه الالتفاتة أو الالتفاتات على مستوى الكتابة والنشر أمر محمود ومطلوب، لكن المؤسف أن الكتابات حول “التدين المغربي” بحسب تتبعنا لها سمتان، أولاهما: الطابع اللاعلمي في الكتابة، وثانيهما: ترديد السردية المتداولة بعيدا عن أي حس نقدي يتبنى مراجعة الأفكار وتحليل المعلومة وتقليب النظر فيها.
وبعد العقدين من الحديث عن “التدين المغربي” و”الإسلام المغربي”، وقع في يدي كتاب “في التدين المغربي، نظرات في العقيدة والفقه والسلوك” للأستاذة جميلة تلوت، فتلهفت لقراءته وطي صفحاته طيا، وحفزني على ذلك توافق صاحبته مع نظرتي لسابق ما نُشر حول الموضوع ولاعلميته، حيث قالت في أول صفحة من تقديمها: “انتشر في الآونة الأخيرة الحديث عن التدين المغربي، سواء داخل المغرب أو خارجه، لكن معظم هذا الحديث لا يتسم بصفات البحث العلمي”[1]، وهذه الإشارة النقدية من المؤلفة بمثابة تعاقد ضمني مع القارئ تلتزم من خلاله بالحيدة عن اللاعلمية السائدة، وبضرورة تبنيها لـ”صفات البحث العلمي” في مقاربتها للموضوع.
فهل التزمت الباحثة بهذا التعاقد المصدَّر به الكتاب؟ وما مدى علمية هذا الكتاب مقارنة مع غيره مما كُتب في هذا الموضوع؟
قبل ذلك، يلزم التنبيه والتنويه بالجهد الذي بذلته الباحثة لإخراج هذا الكتاب إغناءً للخزانة المغربية وإبرازا لمكون رئيس من مكونات الشخصية المغربية، خصوصا أن البحث والتنقيب في التدين المغربي مغامرة محفوفة بالمخاطر، وان هذا المجال البحثي مجال معقرب، يختلط فيه الديني بالسياسي بالاجتماعي بالتاريخي.
وإذ نسجل تنويهنا بالباحثة من هذه الزاوية، فإننا نسجل أنها أثارت انتباهنا أثناء قراءة البحث إلى ملاحظات عدة، نورد إلماعات وإشارات منها، عسى أن نسهم معها في بناء لبنة حول هذا الموضوع الدقيق.

ومن ملاحظاتنا حول الكتاب:
أولا: توثيق النصوص:
لعل “صفات البحث العلمي” متعددة ومتنوعة، لكن من أهمها، بل من أقدسها، الحرص على توثيق المعلومات ونسبتها إلى أصحابها، ولا يجوز في مبادئ البحث العلمي أن نتحدث بطريقة الحكواتيين عن معلومات تعود إلى الماضي دون توثيقها، وقد يستثنى من هذه القاعدة المعلوماتُ التاريخية المعروفة والمتداولة والتي شهرتها كشهرة قفا نبك. لكن الباحثة لم تلتزم بهذا الشرط العلمي في مباحث الكتاب وصفحاته، ولم يكن هذا الصنيع مرة أو مرتين، بل طبع البحثَ في مواطن متعددة، سأكتفي بإيراد نماذج دالة على المراد.
النموذج الأول: نقرأ في الكتاب حديثا عن المذهب الفقهي لأبي الحسن الأشعري، ومنه الفقرة الآتية: “واختلف في تحديد مذهبه الفقهي، فقيل هو شافعي بحكم دراسته على كبار شيوخ الشوافع، وقيل هو مالكي كما جاء عند ابن عساكر وابن فرحون الفقيه والمؤرخ المالكي*، [فنسب من تعلق اليوم بمذهب أهل السنة وتفقه في معرفة أصول الدين من سائر المذاهب إلى الأشعري (لتعدد تآليفه) وكثرة قراءة الناس لها]، وعموما، يصعب الجزم برأي في هذا الموضوع”[2].
بقراءتنا لهذه الفقرة، يتبين لنا أن الباحثة تحكي الاختلاف في مذهبية أبي الحسن، وهذا الاختلاف معلومة تاريخية، يجب على الباحثة أن تنسبها إلى مظانها بدقة، لكنها أحالت على ابن عساكر وابن فرحون، ووضعت علامة على ابن فرحون وأحالت في الهامش على الديباج المذهب، لكنها لم تحل على ابن عساكر، مع العلم أن العزو إليه أولى للأسبقية الزمنية.
والقارئ لتلك الفقرة، يظن أنها من صياغة الباحثة، وبعد المراجعة، تبين لنا أن ما وضعناه بين المعقوفتين منقول بحرفه من تبيين كذب المفتري لابن عساكر[3]، وهذا الصنيع أبعد ما يكون عن تعاقد الباحثة بالتزام “صفات البحث العلمي”.
النموذج الثاني: أثناء حديثها عن ابن أبي زيد القيرواني، ذكرت الباحثة مجموعة من المعلومات التاريخية ذات الصلة به، ومنها قولها: “ومن المعروف عن القيرواني كراهيته للكلام والجدال في الدين، اقتداء بالإمام مالك، إلا أنه عاد إلى التسامح في الأخذ بعلم الكلام لهدف الدفاع عن العقيدة ضد خصومها”[4].
هذه الفقرة على وجازتها، تتضمن معلومات تاريخية، الأولى: كراهية القيرواني للكلام والجدال، الثانية: التسامح في الأخذ بعلم الكلام. الثالثة: التسامح متأخر عن الكراهية.
وبالعودة إلى الميثاق الذي التزمت به الباحثة، وهو تشبثها بـ”صفات البحث العلمي”، فإنها ملزمة بالإحالة على مصدر يوثق تلك المعلومات الثلاث، لكنها اكتفت بإطلاق الكلام وإرساله دون إحالة أو توثيق، وكأنها شاهد عيان على تحولات ابن أبي زيد القيرواني.
النموذج الثالث: أثناء حديثها عن تبني الأشعرية للتأويل، تحدثت الباحثة عن الإمام الأشعري، وصنفته ضمن القائلين بالتأويل، وقالت: “ولا يستثني الأشعري آيات الصفات من فعل “التأويل” لحصول الاحتمال وانتفاء القطع التفسيري، ومن ثم فإن مجال استعمال التأويل عنده غير محصور ابتداءً، إذ التأويل بشروطه مشروع، خلاف المدرسة الحنبلية التي تستثني آيات الأسماء والصفات من عملية التأويل، علما أنه لا اختلاف في استعماله في آيات الأحكام العملية، أي: آيات الفروع، ولا يرى الأشعري حجة للتفريق بين آيات العقيدة وآيات الفروع في التأويل”[5].
هذا الاقتباس يتضمن معلومات محددة ودقيقة، أهمها تبني أبي الحسن الأشعري للتأويل في آيات الصفات، لكن الباحثة لم تجُد علينا بأي إحالة تجعلها ملتزمة بتعاقدها السابق، وتجعلنا نطمئن لمحتوى مقولها.
وبدل أن تحيل في الهامش على مصدر دعواها، انتقلت بسرعة إلى رسالة استحسان الخوض في علم الكلام لأبي الحسن، لتستنبط منها دليلا غاية في الغرابة يدل على تبني الرجل للتأويل، فاقتبست منه أقوال الرافضين لعلم الكلام وجنوحهم إلى تبديعه بناء على ترك النبي صلى الله عليه وسلم له، ورد أبي الحسن عليهم وإلزاماته لهم، وكلها لا علاقة لها بالتأويل، ورغم ذلك تستنتج منه قولها: “لذلك، فإن استدلال الأشعري على مشروعية التأويل كان بالنظر إلى مجموعة قواعد منهجية: أولها: الترك النبوي ليس حجة للمنع؛ ثانيها: انتفاء أسباب التأويل في عصر التنزيل، ثالثها: عدم مشروعية التفريق بين مجال الفقه والكلام في التأويل”[6]. ونسبة القول بالتأويل إلى أبي الحسن يمكن اعتباره فتحا جديدا في الدراسات العقدية، لم يجرؤ عليه أحد من الأشاعرة الميالين إلى التأويل القائلين به، ومنهم د. مصطفى بنحمزة الذي لم يجد سبيلا لِجَرِّ أبي الحسن إلى التأويل إلا من خلال بابة واحدة، وهي قوله بالمجاز بناء على قول نسبه إليه ابن فورك[7].
ويبدو أن الباحثة هي أول من لم يقتنع بـ”اجتهادها” و”فتحها” المذكور، لذلك سرعان ما عقبت على الفقرة السابقة بذكر الاختلاف الحاصل بين الأشاعرة في قضية التأويل، وأنهم قسمان، القسم الأول يمثله متقدمو الأشاعرة الذين تبنوا إثبات الصفات دون كيف، والقسم الثاني الذي يمثله المتأخرون الذين عملوا على تأويلها.
وبما أنها أقرت أن المتقدمين ابتعدوا عن التأويل ولم يتبنوه مذهبا، وبما أن أبا الحسن معدود من متقدمي الأشاعرة حتما، فإنه من غير المؤولين بالضرورة، وهذا هو الواقع، وهذا ما أطبق عليه الدارسون والباحثون عبر العصور والأزمان.
ثانيا: التدقيق والتحقيق:
غان عن البيان أن قضايا التاريخ والتمذهب تحتاج إلى دقة في العبارة، وهذا ما يتوافق مع تعاقد الباحثة المبني على “صفات البحث العلمي”، لكن الدكتورة جميلة تلوت أثناء مقاربتها لهذا الموضوع الشائك والشائق ابتعدت قليلا عن الدقة والضبط، ومن نماذج ذلك:
النموذج الأول: أثناء حديثها عن محددات السياق التي أفرزت أبا الحسن الأشعري وفكره، عقدت الباحثة مقارنة بين الحجاز والعراق، وهذه مقارنة معقولة، وعند الباحثين مسطورة، لكن مقاربة الباحثة نأت عما هو مسطور ومعقول، فقالت: “وتباين السياقات المكانية والزمانية تتبعه اختلافات في نواح متعددة، سواء السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية، فسياق التنزل الأول؛ أي الحجاز في القرن السابع للميلاد، لم يعرف صراعات سياسية لوجود النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الناس، بينما بلغ الخلاف السياسي في العراق أوجه، حتى إن الأشعري عاصر ستة من الخلفاء”[8].
والمقارنة بين الحجاز والعراق معقولة مذكورة عند العلماء بشرط اتحاد الزمن، إذ من غير المعقول أن نتحدث عن العراق العباسي وعن الحجاز النبوي وبينهما قرون، كما لا يمكن إحداث مقارنة بين مجتمع يوجد فيه النبي المعصوم ومجتمع يخلو منه، لهذا الاعتبار، لا تُستساغ هذه المقارنة.
النموذج الثاني: بعد الفقرة السابقة مباشرة، كتبت الباحثة فقرة أخرى لا تخلو من تكرار، وتخلو من الضبط والتدقيق، فقالت: “كما كان النقاش الفكري صاخبا في العراق، إذ تميزت كل من البصرة والكوفة وبغداد بانتشار العلوم العقلية بعد ترجمة الكتب الفلسفية، إضافة إلى ظهور عدد من الفرق الإسلامية كالحنبلية والكلابية والطحاوية خلاف الحجاز عصر التنزيل، إذ تميز السياق الحجازي وقتها بوجود الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حسم الخلافات والجدالات الدينية، كما كان المجتمع النبوي مجتمعا بسيطا في تركيبته، بينما المجتمع العراقي هو مجتمع مركب من مجموعة من التيارات الدينية والإثنية والمذهبية”.
وإذا تجاوزنا التكرار في المقارنة بين الحجاز النبوي المتقدم والعراق العباسي المتأخر، فإنه يجدر بنا أن نتوقف عند كلامها حول ظهور الحنبلية والكلابية والطحاوية في عراق ذلك العصر، ومعلوم أن الطحاوي (ت:321هـ) كان بمصر، وهو معاصر للأشعري (ت:324هـ)، ولم نجد لعقيدته المعروفة بالطحاوية أثرا في البيئة العراقية، وبجولة بسيطة في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي المتأخر عن الطحاوي بقرن ونيف نلمس هذا الغياب، وما أرى إقحامه في هذا السياق إلا بناء على ما أومأنا إليه من قلة التدقيق والتحقيق.
النموذج الثالث: ذكرت الباحثة أن الأشعرية عرفت أوجها في البيئة المغربية مع ابن تومرت الذي تلقاها في المشرق عن الغزالي وغيره، وأنه حمل المغاربة “على القول بالتأويل والأخذ بمذاهب الأشعرية*، فابن تومرت وهو حاكم الدولة الموحدية ألّف في العقيدة الأشعرية عقيدة المرشدة، إلخ”.
ولنا على هذا الاقتباس ملاحظتان:
الأولى: حين تحدثت الباحثة على حمل ابن تومرت للمغاربة على التأويل ومذاهب (كذا) الأشعرية، وضعت هامشا أدنى الصفحة، وأحالت على ص: 137 من المعجب للمراكشي، وبالعودة إلى الصفحة ذاتها، لم نجد لذلك الحمل أثرا، ومضمون تلك الصفحة ومعلوماتها مقتصرة على طريقة رجوعه إلى المغرب واهتمامه بعلم خط الرمل ولقائه بعبد المومن بن علي.
الثانية: لما أرادت الدكتورة جميلة تلوت إقناع قرائها بأن المهدي ابن تومرت حمل المغاربة على الأشعرية، ذكرت ما يعضد دعواها، وهو أن ابن تومرت كان حاكما للدولة الموحدية، والوقائع التاريخية تقول بأنه وإن كان قائد الدعوة الموحدية، إلا أنه لم يكن قائد الدولة الموحدية، وأول حاكم للدولة هو عبد المومن، لذلك تسمى الدولة الموحدية في بعض الأدبيات بالدولة المومنية.
وهاتان الملاحظتان اللتان أوردتهما على الاقتباس القصير أعلاه يعضدان ما ذهبنا إليه من قلة التدقيق والتحقيق.
النموذج الرابع: أثناء الحديث عن المذهب المالكي في العهد الإدريسي، حاولت الباحثة قدر الإمكان مجاراة السردية المتداولة، مفادها أن النواة الأولى للمذهب المالكي كانت في العهد الإدريسي، وأن إدريس الثاني عين أحد تلاميذ الإمام مالك في خطة القضاء، لتخلص الباحثة إلى أن دخول المذهب إلى المغرب الأقصى “بدأ منذ عهد الدولة الإدريسية أواسط أو أواخر القرن الثاني الهجري”[9]، ثم تضيف بيقين مشابه للذي قبله بأن المذهب المالكي “عرف انتشارا وقت” المولى إدريس الثاني[10]، و”أن حضور المذهب المالكي اليوم هو حصيلة صيرورة تاريخية تأكدت منذ الدولة الإدريسية”[11]، واستصحبت هذا اليقين طيلة البحث، حيث نجدها تتحدث عن “ترسخ المذهب المالكي مع الدولة الإدريسية”[12].
هذه “اليقينيات” تفتقر إلى التحقيق والتدقيق، وتميل إلى إطلاق الكلام وإرساله في مجال تاريخي معقرب جدا، يفرض على الباحثة توخي الحذر في الإطلاقات واليقينيات، ولا تستقيم لها هذه المخرجات ولا نسلّم لها بها إلا إن استحضرت بعض المعطيات وفندتها، مثل:
** إذا كان المذهب المالكي دخل إلى الديار المغربية في العهد الإدريسي، فلماذا لم يذكره القاضي عياض المؤرخ القريب من الأدارسة مكانا وزمانا في موسوعته “ترتيب المدارك”؟
** إذا كان المذهب المالكي قد “عرف انتشارا” في عهد المولى إدريس الثاني، فلماذا لم يترجم القاضي عياض لأي علم من أعلام هذه الفترة وما تلاها؟
** لماذا كان المعتزلة يترجمون للأدارسة في مصنفات أعلامهم وفهارسهم؟
** لماذا كان مؤرخو المذاهب ــ ومنهم أبو الحسن الأشعري ــ يقررون وجود الاعتزال في طنجة وما والاها إبان العهد الإدريسي؟
بدون الاشتباك المعرفي مع هذه الأسئلة وغيرها، تبقى مخرجات الباحثة جميلة تلوت حول الوجود المالكي أو انتشاره في العهد الإدريسي مجرد كلام مرسل وإن صاغته بلغة تقريرية يقينية.
ثالثا: “توثيق النصوص” و”التدقيق والتحقيق”:
أوردنا نصوصا واقتباسات من كتاب الباحثة يعوزها العزو والإحالة على المظان، وأوردنا نصوصا واقتباسات تدل على عدم التحقيق وقلة التدقيق، وأحيانا تقع الباحثة في الأمرين معا، وحري بنا أن نقرأ قولها: “بالرجوع إلى التاريخ، سنجد أن الإمام الأشعري كان مساندا لابن حنبل في محنته المشهورة حول “خلق القرآن”، ولربما كان موقفه من المعتزلة نتيجة لهذا الأمر ــ إضافة لفرض آرائهم بالسلطة ــ سببا في اعتزاله إياهم، خصوصا أنهم كانوا يمثلون مصدر قوة وقتها، نظرا لاتصالهم بالسلطة السياسية، واستعداء كل من يقول بخلاف قولهم وتأليب السلطة عليه، كما حصل مع ابن حنبل في محنته”، لتخلص إلى أن تضامن أبي الحسن الأشعري مع ابن حنبل لم يكن تبنيا للمنهج الحنبلي وتماهيا معه، بل هو موقف “أخلاقي في العمق”[13].
وهذا النص يتضمن معلومات، ويتضمن مقاربة خاصة بالباحثة.
أما بالنسبة للمعلومات التاريخية، فهي: * مساندة الأشعري لابن حنبل في محنته، * احتمال أن يكون الأشعري قد غيّر رأيه من المعتزلة بناء على محنة ابن حنبل، * احتمال أن يكون موقفه من المعتزلة قد تغير بناء على استقوائهم على المخالف بالسلطة.
والغريب أنها صدّرت قولها بعبارة: “بالرجوع إلى التاريخ”، فأي تاريخ يقول هذا؟ وأين المصادر التاريخية التي يمكن العزو إليها؟
نعم، المصادر التاريخية تقول بأن أبا الحسن الأشعري تراجع عن الاعتزال بناء على رؤيا منام، أو بعد اعتكاف بيته وملازمته له خمسة عشر يوما وإعلانه بعدها للناس أن أدلة الطرفين تكافأت لديه واستهدى الله تعالى فهداه إلى خلع الاعتزال[14]، ولم تذكر المصادر التاريخية (قبل الدكتورة جميلة تلوت) تضامنه مع أحمد ابن حنبل.
أما عدم التدقيق في الاقتباس أعلاه فإنه بيّنٌ في كون الأشعري كان معاصرا لابن حنبل ولسطوة السلطة المعتزلية على المخالفين، وأنه سانده في محنته، ومعلوم تاريخيا أن محنة خلق القرآن وقعت سنة 218هـ، أي قبل ولادة الأشعري بأربعين سنة، ولو كان الأشعري أخلاقيا مع ابن حنبل كما ادعت الباحثة، فإنه كان حريا به ألا يعتنق الاعتزال أصلا.
ومعلوم أن المتوكل وصل إلى الحكم سنة 232هـ، وأظهر السُّنة وأمر برفع المحنة وأطلق سراح المعتقلين بسبب “خلق القرآن” ونصر أهل السنة، وفي سنة 234هـ زجر عن القول بخلق القرآن[15]، وهذه الوقائع التاريخية كلها تنقض دعوى الموقف الأخلاقي للأشعري الذي ادعته الباحثة، لأنه إن كان رجوعه عن الاعتزال تضامنا مع ضحايا السلطة وضد استقواء المذهب بالسلطة، لكان حريا به ألا يكون سنيا أبدا، لأنه ولد بعد استقواء أهل السنة بالسلطة وزجرهم للمعتزلة وتعذيبهم.
وعموما، فالتدقيق في المسألة قد يدخلنا في متاهات، ويبقى رجوع إمام كبير عن مذهب كبير إلى انتحال مذهب كبير لُغزا كبيرا يلفه غموض كبير.
ونختم بسؤال: هل كان تراجع الأشعري عن الاعتزال موقفا علميا أو أخلاقيا؟ هذه مشكلة أخرى أثارتها الباحثة دون إدراك منها.
رابعا: الأئمة وإشكالية التأسيس:
طرزت الباحثة جميلة تلوت بحثها بمجموعة من العناوين، منها:
العنوان الأول: التعريف بالمؤسس الأول أبي الحسن الأشعري[16].
العنوان الثاني: التعريف بالإمام المؤسس[17]، وتقصد الإمام مالك.
العنوان الثالث: التعريف بالإمام المؤسس[18]، وتقصد الإمام الجنيد.
وجريا على هذا السَّنن، استعملت عبارة “التأسيس” و”المؤسس” طيلة البحث أثناء الحديث عن الأئمة الثلاثة المذكورين، فهل كانوا فعلا مؤسسين للمذهب الأشعري وللمذهب المالكي وللتصوف؟
بالنسبة للمذهب المالكي، من العسير جدا أن نتحدث عن الإمام مالك باعتباره مؤسسا للمذهب وواضعا لأصوله ومُخرجا لأقواله، لأن الإمام مالكا نفسه انتسب إلى مذهب قائم، هو مذهب أهل المدينة، قال الدكتور أحمد الريسوني عن الإمام مالك: “إنه لم يؤسس مذهبه، ولم يضع أصوله وقواعده، وإنما وجد كل ذلك جاهزا مستقرا، وورثه تاما ناضجا، فسار عليه، واجتهد في إطاره، ومن هنا فإن قولنا: “المذهب المالكي” لا يكون سليما إلا بمعنى أن المذهب المالكي هو المذهب الذي ينتسب إليه مالك، وليس المذهب الذي يُنسب إلى مالك، وبيان ذلك أن الإمام مالكا ــ كما هو معلوم ــ ورث علم علماء المدينة، وبه كان يفتي، وعليه كان يبني، والموطأ خير شاهد على هذا، فهو مليء بمثل هذه العبارات: الأمر المجتمع عليه عندنا، والأمر عندنا … وكلها عبارات صريحة في أن الإمام كان يصدر عن “مذهب” قائم مستقر علما وعملا”[19]، وبناء على هذا، فنسبة المذهب إلى الإمام مالك هي نسبة إجرائية، ولا تدل بحال من الأحوال على أنه منشئ ومؤسس.
والأمر ذاته نجده مع أبي الحسن الأشعري، فهو بعد اعتزاله للمعتزلة، لم يؤسس مذهبا جديدا ولم ينشئ أقوالا تفرد بها، بل تخلى عن مذهب وانتحل مذهبا قائما معروفا متداولا، وقد لا نبالغ إن قلنا بأن أغلب مقولات الأشعري هي أقوال أبي محمد عبد الله ابن كلاب، قال ابن تيمية: “ثم جاء أبو الحسن الأشعري فاتبع طريقة ابن كلاب وأمثاله، وذكر في كتبه جمل مقالة أهل السنة والحديث، وأن ابن كلاب يوافقهم في أكثرها”[20]، وقال أيضا أثناء حديثه عن ابن كلاب وطريقته وجهوده في إفساد مذاهب نفاة الصفات: “وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي ثم أبو الحسن الأشعري …”[21]، وقال أيضا: “كان أبو الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال سلك طريقة أبي محمد بن كلاب”[22]، وقال: “وهذا قول ابن كلاب إمامِ الأشعري”[23]، وقال أيضا: “وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه”[24].
خلاصة القول أن الإمام مالكا والإمام أبا الحسن الأشعري لم يؤسسا مذهبا ولم ينشئا نحلة، وأقصى ما يقال في شأنهما أنهما اختلفا عن سلفهم بمقولات، وذلك الاختلاف لا يخلو منه مذهب ولا تسلم منه نحلة، قال ابن عساكر عن أبي الحسن الأشعري: “لم يكن هو أول متكلم بلسان أهل السنة، إنما جرى على سَنن غيره وعلى نصرة مذهب معروف، فزاد المذهبَ حجة وبيانا، ولم يبتدع مقالة اخترعها، ولا مذهبا انفرد به، ألا ترى أن مذهب أهل المدينة يُنسب إلى مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه، ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال له مالكي، ومالك رضي الله عنه إنما جرى على سَنن من كان قبله، وكان كثير الاتباع لهم، إلا أنه زاد المذهب بيانا وبسطا وحجة وشرحا، وألّف كتابه الموطأ وما أخذ عنه من الأسمعة والفتاوى، فنُسب المذهب إليه لكثرة بسطه له وكلامه فيه، فكذلك أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه لا فرق، وليس له في المذهب أكثر من بسطه وشرحه وتواليفه في نصرته”[25]، وهذا إقرار من الحافظ ابن عساكر لما قلناه وقررناه أن الإمام مالكا والإمام أبا الحسن الأشعري ليسا مؤسسين للمذهبين المنسوبين إليهما.
وأوضح من هذا وأشهر ما يتعلق بالإمام الجنيد، فإنه ليس مؤسسا لتيار أو مذهب صوفي، ولا وجود لمذهب جنيدي في التصوف، وهو كسابقَيه وارثٌ لأسلافه، أمثال خاله السري السقطي والحارث المحاسبي ومحمد بن علي القصاب وبشر الحافي وأبي علي الدقاق وآخرين، وكما لا يمكن أن ندعي تأسيس الجنيد للتصوف أو لمذهب داخله، فإننا لا ندعي أن أحدا من أسلافه المذكورين كان مؤسسا، وكان الجنيد معاصرا لصوفية لا يقلون عنه رتبة، مثل صديقه أبي الحسين النوري.
خامسا: اضطراب.
يلمس قارئ الكتاب نوعا من الاضطراب بين الصفحات المتقاربة، فمع اعتبار الباحثة أبا الحسن الأشعري مؤسسا، فإنها تورد نصا لابن السبكي يقرر فيه بوضوح أن “أبا الحسن الأشعري لم يبدع رأيا ولم ينشئ مذهبا، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف”[26]، ومع اعتبارها الإمام الجنيد مؤسسا للتصوف، فإنها تذكره رفقة الحسن البصري والحارث المحاسبي وسري السقطي ورابعة العدوية والحلاج، وتعتبرهم جميعا من “الرواد المؤسسين”[27].
قد لا نبالغ إن قلنا بأن الحديث عن الشخص المؤسس والبحث عنه وتحديده هو مغامرة غير مأمونة العواقب، لذا كان حريا بالباحثة أن تستعيض عن “التأسيس” بعبارة أخرى أليق وأدق.
ومن الاضطراب الحاصل بين صفحات الكتاب، إيراد الباحثة لنص من “أحسن التقاسيم” للمقدسي (ت:380هـ) يتحدث فيه عن المغرب بسلبية وسوداوية، ومما قال عنه أنه “لم يخرج عالما مذكورا ولا زاهدا مشهورا إلا القليل”[28]، وهذا النص كان حقيقا بأن يوقظ الحمية المغربية في نفسية الباحثة لتعلق عليه بما يفيد خطأه، فبينت أن المقدسي من “المشارقة الذين لم تكن لهم دراية جيدة بالمغرب”[29]، وأن النص المقتبس من كتابه “يؤكد عدم معرفته بهذه المنطقة الجغرافية وتصويرها بعيدة عن المعرفة والعلم وأخلاق الإسلام”[30]. لكن الباحثة سرعان ما اقتبست اقوالا أُخَر هي أسوء مما قاله المقدسي وأقذع، لكنها أقرت ذلك وتبنته لأنه كان في سياق تمجيد عبد الله بن ياسين وبيان جهده، فذكرت عن المغرب أن “الفتح الأول سرعان ما تلاشت آثاره نتيجة نقص الاحتكاك بالشمال، حتى أن عبد الله بن ياسين حين وصل بلاد المصامدة وجد أكثرهم لا يصلون ولا يزكون، وليس عندهم من الإسلام إلا الشهادة”، وأن بلادهم خلية عن العلوم والمذاهب، لا يصل إليهم إلا بعض التجار الذين لا علم لهم، وهمتهم منحصرة في البيع والشراء[31].
هنا نتساءل، هل كان المقدسي يتحدث عن المغرب بدون دراية كما قالت الباحثة؟ أم أن قوله صويب صحيح كما أقرت بذلك بناء على مرحلة ابن ياسين المتأخرة عن مرحلته بحوالي قرن من الزمان؟
ومن نماذج الاضطراب ما وقع للباحثة أثناء تصنيفها لأصول المذهب المالكي، وبيان ذلك من خلال الآتي:
** عدّت عمل أهل المدينة ضمن الأصول النقلية في الصفحة 112، وعدته ضمن الأصول التنزيلية في الصفحة 138.
** وضعت أصل اعتبار الذرائع ضمن الأصول العقلية/المقاصدية في الصفحة 138، ووضعته ضمن الأصول التنزيلية في الصفحة 112.
** صنفت مراعاة الخلاف ضمن الأصول العقلية في الصفحة 112، وجعلته من الأصول التنزيلية في الصفحة 138.
سادسا: الغموض.
** ذكرت الباحثة في مواضع من بحثها نوعين من الأشعرية في المغرب، وهما الأشعرية العالمة، وهي أشعرية النخبة، والأشعرية الشعبية[32]، لكنها لم تذكر ولو مثالا واحدا عن هذه الأشعرية الشعبية، فبقي مفهوما غامضا يحتاج إلى بيان، وإلا كان مفهوم “الأشعرية الشعبية” مجرد كلام.
** تحدثت الباحثة بصيغة اليقين عن المهدي بن تومرت الذي عمل على ترسيم الأشعرية في المغرب[33]، وبقي هذا الأمر وهذا الترسيم غامضا، لم نعرف زمانه ولا مكانه ولا صيغته ولا أي شيء عنه، ويزداد الغموض غموضا حين نعلم أن الترسيم لا يكون إلا بقرار سياسي من الحاكم، وابن تومرت لم يكن حاكما، فكيف عمل على هذا الترسيم وكيف سهر عليه؟
وبدل أن تعمل الباحثة على تجلية الغموض وتجتهد في الإيضاح والبيان، فإنها تعمل على تعميق الغموض وترسيخه، حيث تقول بعد صفحات بـ”أن ترسيم الأشعرية بمغرب الألفية الثالثة تم باعتبارها اختيارا جماعيا لا فرديا”[34]، وهنا نتساءل: هل وقع الترسيم مع المهدي بن تومرت أو في الألفية الثالثة مع الوزير أحمد التوفيق؟ أم أن ترسيم بن تومرت تعرض لفتور أو محاربة في فترات معينة وبقي المغاربة بدون أشعرية إلى أن جاء أحمد التوفيق بترسيمه الثاني؟ وإذا وقع الترسيم مع ابن تومرت ومع أحمد التوفيق، فألا يوجد ترسيم آخر مع السعديين أو غيرهم؟
وبعد هذا، نقف عند كلام للباحثة يفيدنا في نقض الترسيم مع ابن تومرت، فأثناء حديثها عن المذهب المالكي، نفت ترسيمه في عهد المولى إدريس الأول؛ وعضدت نفيها بأننا لم “نجد وثائق تدل أن الأدارسة دعوا إلى مذهب مالك رسميا”[35]، وهنا نجد أنفسنا أمام اضطراب غريب، حيث تنفي الباحثة ترسيم المذهب المالكي في عهد المولى إدريس الأكبر لعدم وجود وثيقة دالة على ذلك، وتثبت الباحثة ترسيم المذهب الأشعري مع المهدي بن تومرت رغم عدم وجود وثيقة دالة على ذلك.
سابعا: الإغفال.
أثناء الحديث عن المدرسة المالكية في المغرب الأقصى، وضعت الباحثة عنوانا مثيرا ومهما، وهو: في الدور التأسيسي لمدينة فاس[36].
وبعد الاطلاع على المبحث في أكثر من صفحتين، وجدنا حديثا مقتضبا عن تاريخ فاس، وعن وجود أول حي لليهود بها، وعن أهميتها العمرانية والاستراتيجية، إضافة إلى نتف من تاريخها المرابطي والموحدي والمريني، مع إشارة قصيرة وعابرة من ثلاثة أسطر تتحدث عن حلول عدد من العلماء إلى فاس للتزود المعرفي “الأمر الذي أسهم في تشكيل حركة علمية وازنة عملت على نشر المذهب المالكي”[37].
قد لا يتردد المنصف في إبداء ملاحظةٍ أساس، وهي أن الباحثة أغفلت جهود فاس ودَور فاس وقامات فاس في المبحث الخاص بفاس، وهذا إغفال غريب، حيث لم نجد طيلة هذا المبحث ما يدل على هذا الدور الريادي والتأسيسي لفاس في نشر المذهب المالكي، وهذا الإغفال يجرنا إلى الحديث عن إغفال آخر، وهو إغفال الباحثة للحديث عن مراكز علمية أخرى كان لها دور بارز في خدمة المذهب المالكي ونشره، مثل اغمات ومراكش، وقبل ذلك وأهم، مركز سبتة الزاخر بالعلماء والفقهاء، والقريب من العدوة الشمالية، وجسر الرحلة من الجنوب إلى الشمال أو العكس.
والإغفال الأكبر في هذا المبحث هو عدم ذكر أبي ميمونة دراس بن إسماعيل، رغم أهميته في المذهب المالكي في المغرب، ورغم أهميته في فاس، ولو ذكرته الباحثة وتناولت شخصيته لوجدت معلومة إدخاله المذهب إلى الديار المغربية، ولربما ساعدها ذلك في فرملة يقينياتها حول وجود المذهب المالكي في عهد مولاي إدريس الثاني.
ثامنا: الخضوع للسردية المتداولة.
بعد مطالعة الكتاب، يتبين للقارئ أن الباحثة خضعت للسردية المتداولة حديثا حول ما يسمى “الثوابت” الدينية والمذهبية في المغرب، ولم تقم بتعميق النظر فيها وإخضاعها لمبضع التشريح النقدي، ومن مظاهر ذلك ما سطرته في المبحث الخاص بـ”عوامل استمرار المذهب المالكي”، وقد حصرتها في سبعة عوامل، نوردها تباعا:
** كثرة أصول المذهب.
** المرونة والتيسير في المعاملات.
** مراعاة المقاصد العامة للتشريع.
** الجمع بين النهج العقلي والنقلي.
** السيرة العطرة للإمام مالك.
** المكانة الرمزية للمدينة المنورة.
** الترسيم السياسي.
ولست أدري كيف يستسيغ الباحثون هذه العوامل، مع العلم أن سردها وشرحها والانتصار لها لا يخلو من مناقبية تأباها الدراسات العلمية، ولبيان تهافت هذه السردية، يمكن أن ننكت عليها بنكت هي رؤوس أقلام، عسى أن نتوسع في ذلك لاحقا إن شاء الله.
1 ــ إن كثرة أصول المذهب المالكي تكاد تكون متماثلة مع كثرة أصول المذهب الحنفي، ومن أمثلة ذلك أصل شرع من قبلنا، قال الحصكفي الحنفي في الدر المختار: “تقرر في الأصول أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله تعالى ورسوله من غير إنكار ولم يظهر نسخه”[38]، وقال البدر العيني (وهو حنفي): “هذا مبني على أن شرع من قبلنا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هل يلزمنا أم لا؟ فيه خلاف، والأصح أنه يلزمنا إن لم يقص الله علينا بالإنكار”[39].
وما يقال عن شرع من قبلنا، يقال عن الاستصلاح، فهو في عامة المذاهب، ومنها الحنفية، قال الزركشي عن المصلحة المرسلة: “والمشهور اختصاص المالكية بها، وليس كذلك، فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك”[40]، وقبل الزركشي، قال القرافي كلاما يدل على أن الاستصلاح وسد الذرائع من الأصول المشتركة بين الفقهاء، وليستا من خصوصيات المذهب المالكي وتفرداته، قال رحمه الله: “يُنقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة وسد الذرائع، وليس كذلك”، وبعد كلام عن العرف، تطرق إلى الاستصلاح، وبيّن أن غير المالكية “يعللون بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفوارق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة”، أما الذرائع، فقد تحدث عن أقسامها، وبيّن أن قسمين منها مجمع عليهما اعتبارا أو إلغاء، وبقي قسم واحد خالف فيه المالكية غيرهم، ليخلص إلى أن المالكية قالوا بسد الذرائع أكثر من غيرهم لا أنه أصل خاص بهم[41].
ولعل ما قيل كاف في بيان كثرة أصول المذهب الحنفي، ولو كانت “كثرة أصول المذهب المالكي” عاملا من عوامل استمراره في المغرب، لكانت تلك الكثرة كافية لاستمرار المذهب الحنفي في المغرب، لكنه لم يستمر، فتبين بطلان الدعوى.
2 ــ تبنت السردية المغربية المعاصرة مقولة مفادها أن مرونة المذهب المالكي وتيسيره في المعاملات كانت سببا في انتشار المذهب واستمراريته، وهذا العامل لم يكن مذكورا عند المتقدمين، وابتُدع حديثا وتلقفه الواحد عن الآخر من غير تبين، ومما يدل على أنه عامل مبتدَع مختلَق أن الأستاذ علال الفاسي اجتهد في سرد أسباب انتصار المذهب المالكي ورسوخه في المغرب، وذكر ثلاثة عشر سببا[42]، ولم يذكر منها هذه المرونة المكتشَفة حديثا.
والمذهب الحنفي لا يقل مرونة عن المذهب المالكي، بل إن المذاهب الفقهية كلها تعرف مرونة ويسرا على تفاوت بينها، وكيف لا وهي تصدر عن الإسلام، وهو دين اليسر، وكلهم من رسول الله ملتمس.
3 ــ أما عامل “مراعاة المقاصد العامة للتشريع” فمبدأ مشترك بين المذاهب الأربعة، ولا يوجد مذهب يخالف هذا.
4 ــ وعامل “الجمع بين النهج العقلي والنقلي” مشترك بين المذاهب أيضا، والمذهبان المالكي والحنفي متقاربان في هذا، فهما مذهبان من مذاهب الرأي كما هو معلوم، وهما مذهبان مؤسسان على ثروة حديثية ضخمة، ولا تفوق للمذهب المالكي على الحنفي هنا، ومن يطالع “نصب الراية” للزيلعي يدرك بالملموس الثروة الحديثية الموجودة في كتاب الهداية للمرغيناني، وهو من الكتب المختصة في الفقه الحنفي.
5 ــ والسيرة العطرة للإمام مالك لا تفضل السيرة العطرة لأبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما من الأئمة.
بناء على ما سبق، يتبين لنا أن الباحثة قامت بعملية التقسيم لمعرفة عوامل انتشار واستمرار المذهب المالكي في المغرب، لكنها لم تقم بعملية السبر، وهو ما قمنا به، ولعله لم يبق إلا عامل المدينة المنورة ورمزيتها، وهذا وإن كان ضعيفا لكنه قد يكون مقبولا، ويبقى العامل السياسي، وعلى الرغم من أهميته، فإن الباحثة عملت على توهينه والتقليل من شأنه، لكن، مع عدم صمود العوامل الأخرى، يبقى العامل السياسي هو العامل الحاسم في ذلك، خصوصا مع الأمويين في البيئة الأندلسية، والمرابطين في البيئة المغربية، وقد حكى ابن حزم ذلك وقرره، لكن الباحثة وصفت قوله بـ”الحكم المتسرع”[43]، والصواب أنه غير متسرع، خصوصا أنه مؤيد بحوادث تاريخية دالة عليه، ومنصفو المالكية يقرون بذلك ولا ينكرونه، قال القاضي عياض: “التزم الناس بـ[الأندلس] هذا المذهب، وحموا بالسيف عن غيره جملة”[44]، وذكر ابن العربي أن أمويي الأندلس رسّموا المذهب المالكي بقرار رسمي بناء على ما “رأوه من تعظيم مالك لسلفهم”[45]، ويقصد هنا تعظيم مالك للأمويين وميله عن العلويين خلافا لأبي حنيفة الذي ساند القائمين من أهل البيت ضد بني أمية، وما قاله القاضي عياض عن السيف، وابن العربي عن السلطة الأموية، هو عينه ما قاله ابن حزم، فانتفى التسرع.
تاسعا: الحمِيّة المغربية.
حين يتناول البحث قضية ذات ارتباط بالمغرب، ربما تفقد الباحثة خاصية الموضوعية ويرتفع عندها منسوب “التمغربيت”، فترفض كل ما لا يتماشى مع الخطاب المناقبي التبجيلي للوطن، وسبق أن رأينا موقفها الرافض لقول المقدسي في “أحسن التقاسيم” الذي سرعان ما تبنته حين حديثها عن جهود عبد الله بن ياسين.
هذا الخضوع غير العلمي للتمغربيت سيفرض على الباحثة مواجهة مغربي آخر، هو المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله، لأنه حين حديثه عن أسباب رسوخ المذهب المالكي في المغرب، قارن بين البيئة المالكية الأصلية، وهي الحجاز، والبيئة الأندلسية المغربية، وهو الخبير بها، فوجد بينهما قاسما مشتركا، وهو البداوة، وعدم معاناة أهل هذين الإقليمين للحضارة كما هو شأن العراق.
لم تستسغ الباحثة هذه النظرة الخلدونية، وحاولت أن تلزمه بإلزامات جديرة بسدّ ما به من “ثغرات”، ومن إلزاماتها:
** لو كان كلامه صحيحا لكان المذهب الحنبلي أقرب إلى المذهب الحنفي، لأنه مثله وليد البيئة العراقية.
** لم يعد سكان الحجاز من البدو، خصوصا في العهد الأموي، حيث كانت المدن الحجازية “تموج بما يفيض به عليهم الأمويون من خيرات”.
** لا تستقيم النظرة الخلدونية عن أهل المغرب، لأنهم تبنوا مذهبين من خارج الحجاز، وهما المذهب الأشعري والمذهب الجنيدي، وهما مذهبان من العراق التي اعتبرها ابن خلدون “نموذجا للتحضر”[46].
تبدو هذه الإلزامات مفحمة وقوية وناسفة للأطروحة الخلدونية، لكنها لا تصمد أمام النظرة النقدية الفاحصة، وبيان ذلك من وجوه:
الأول: المذهب الحنبلي لم يتفاعل مع الواقع كما تفاعل المذهب الحنفي، لذا كان يعاني من الغربة في واقعه وبيئته التي ولد فيها، إضافة إلى أنه كان مجرد رد فعل من زعيم المحدثين تجاه فقهاء الرأي المنتشرين في البلد، وكان موقف ابن حنبل متطرفا ضد أبي حنيفة، ويجتهد كثيرا في تجنب ذكر اسمه، وإذا اضطر إلى ذلك قال: أبو فلانة. وهذا التصرف وأمثاله حقيق بألا يجد بسببه موطئ قدم في البيئة العراقية.
الثاني: كانت العراق مهد الحضارة، وحصل لها ذلك بفعل التراكم التاريخي حيث ورثت حضارات متعددة، ويكفي أن الباحثة نفسها ذكرت أن بغداد “سليلة حضارة الإغريق وبابل والفرس، وهذا التراكم الحضاري جعل البصرة والكوفة وبغداد تعرف في عصر الأشعري زخما فكريا قويا”[47]، وهذا التراكم لا وجود له في البيئة الحجازية، وهذا ما حذا بابن خلدون إلى القول ببداوتها.
الثالث: الحضارة والتحضر لا يتحقق إلا بفعل عوامل متعددة وبالتراكم، وهذا ما قررته الباحثة بالنسبة للعراق، ومنه ندرك أن عبارتها عن الحجازيين: “ما يفيض به عليهم الأمويون من خيرات” لا يمكن أن يحقق أدنى حضارة، وأقصى ما يمكن أن يصل إليه المجتمع الحجازي ــ إن صح قولها ــ أنه مجتمع استهلاكي.
الرابع: إلزام ابن خلدون بأخذ المغاربة لمذهبين عراقيين هو إلزام لا يلزم، للفوارق الكبرى بين المذهب العقدي/التصوري والمذهب الفقهي/العملي.
فالعقيدة قد يتماثل فيها الأمريكي والنرويجي والنيجيري والهندي والصيني، وقد لا يؤثر فيها ما يعتمل في المجتمعات من تغيرات، أما الفقه، فهو صناعة يتشابك فيها النص بالواقع ويتفاعلان، لذا كان فقه مسلمي المغرب مخالفا لفقه مسلمي السويد بالضرورة، وهذا ما وقع في التاريخ، فالفقه الحنفي كان نتاجا للتفاعل بين الشرع والواقع العراقي المتحضر، والفقه المالكي كان نتاجا للتفاعل بين الشرع والواقع الحجازي البدوي، والمغرب كان بدويا لم يرث حضارات سابقة ولم يعرف دولةً قبل الفتح كما عرفت العراق ذلك، فصدق القول الخلدوني هنا.
وما يقال عن الفوارق بين المذهبين العقدي والفقهي، يقال عن الفوارق بين التوجه السلوكي والفقه، فالتصوف قد يتبناه الرؤساء والقادة والعامة، وقد يتبناه الأغنياء والفقراء، ويتبناه العراقي والمغربي والأمريكي والجنوب إفريقي، وكل واحد من هؤلاء يتوق إلى التوبة والشكر والمحبة والتزكية والإخلاص والزهد والخشوع وغيرها من المقامات التي تسهم في تحقيق مرتبة الإحسان.
عاشرا: التجديد في المذهب المالكي انطلاقا من أصل “العمل”.
تكتب الباحثة أحيانا بنوع من الغيرة على المذهب المالكي، وهذه الغيرة جعلتها تطرح أسئلة بهدف “وضع اليد على بعض المواطن التي تحتاج إلى تجديد من داخل المذهب المالكي”[48]، لذلك طرحت سؤالها الذي يبدو منطقيا: “إذا كان عندنا قديما العمل الفاسي والسوسي والطنجي، لماذا ليس عندنا اليوم العمل الرباطي والعمل البيضاوي والعمل المراكشي؟ وإذا كانت الجالية المغربية منتشرة في ربوع العالم، وكثير من الأئمة بأوربا يتصدرون للفتوى وفق المذهب المالكي، فلماذا ليس عندنا العمل الباريسي والعمل اللندني والعمل المدريدي؟”.
قد لا نختلف في غيرة الباحثة على المذهب وتساؤلاتها حول إحداث نهضة داخلية انطلاقا مما أثله من منهج، لكن طرحها غريب جدا، وغرابته تتجلى على مستوى التصور، وعلى مستوى المآل.
على مستوى التصور:
استغربنا مقاربة الباحثة في طرحها لإحداث عمل جديد خاص بمناطق مغربية بعينها، وإحداث العمل الفاسي والسوسي والجبلي والرباطي في السابق كان وثيق الصلة بالعمل القضائي، وليس بالعبادات مثلا، لذلك نجد ضمن تعريفات العمل: “هو حكم القضاة بالقول وتواطؤهم عليه”[49]، وهذا التعريف وحده دال على أن العمل كان خاصا بالعمل القضائي، ومن الفوارق بين العرف والعمل عند الفقهاء، “أن العرف هو فعلُ العامة، والعمل هو حكم القضاة”[50].
والسبب في بلورة العمل الإقليمي (الفاسي ــ الرباطي …)، هو أن الدولة في الماضي لم يكن لها نظام قضائي موحد، وبالتالي، ارتأى فقهاء ذلك العهد وقضاته توحيد الاجتهاد القضائي في المنطقة الواحدة، لذا قد يكون الحكم في نازلة بفاس مخالفا للحكم في نظيرتها بتطوان أو شفشاون. أما اليوم، ومع الدولة الحديثة وتوحيد نظامها القضائي وتوحيد مسالك التشريع وتوحيد القوانين، فإن محاولة إحداث عمل بيضاوي حديث وعمل مراكشي جديد لا يمكن اعتباره عملا تجديديا، بل هو عمل ــ إن طبقناه ــ يتعارض مع مبادئ الدولة الحديثة، ولو أن الباحثة تصورت جيدا مسألة “العمل” وأدركت أنه خاص بالعمل القضائي لما اقترحت هذا “التجديد” ولما طالبت به.
على مستوى المآل:
لنفرض أن التصور الذي صدَرَت منه الباحثة كان صحيحا، فهل يمكن أن تُحدث الجالية المغربية عملا لندنيا وعملا باريزيا وعملا مدريديا؟
غني عن البيان أن الجالية المسلمة في الغرب جاليات، وهبْ أن مغاربة بريطانيا أحدثوا عملا خاصا بهم ــ كما اقترحت الباحثة ــ انطلاقا من خلفيتهم المالكية وتفاعلا مع واقعهم البريطاني، فإننا سنضطر لإحداث عمل بريطاني آخر خاص بالجالية الباكستانية ينطلق من خلفيتهم الحنفية ويتفاعل مع واقعهم البريطاني، وهكذا سنجد عملا بريطانيا ثالثا خاصا بالعراقيين، وبالتالي، فسيكون هذا المقترح مسهما في تعميق الفرقة بين مسلمي تلك البلاد أولا، ويتعارض مع مبدأ المواطنة ثانيا.
حادي عشر: إشكالات حول التصوف.
قد لا نبالغ إذا قلنا بأن كثيرا من الباحثين انخرطوا في الحديث عن التصوف في المغرب دون مكنة أو زاد، وأغلبهم لم ينخرط في ذلك إلا بسبب التفاعل مع الطرح الرسمي الذي تبناه وزير الأوقاف أحمد التوفيق في سياق دولي بعد الأحداث الإجرامية العالمية (11 سبتمبر 2001) أو المحلية (16 ماي 2003).
ونظرا لأن كثيرا من الباحثين و”العلماء” لم تكن لهم أدنى صلة بالتصوف، فإن غالب كتاباتهم كانت تتميز بالسطحية والتكرار، وإذا استحضرنا تميز التصوف عن غيره من العلوم الإسلامية ومخالفته لها منهجا واصطلاحا وأدبيات من زوايا متعددة، فإن كتابات أولئك الباحثين البعيدين عن التصوف لم تخلُ من أخطاء وهنات.
وبعد قراءة الفصل الخاص بالتصوف من هذا الكتاب، يبدو لنا أن الباحثة لم تشذ عن السَّنن العام للباحثين المنخرطين في ورش الكتابة جول التصوف، وقد بدت لنا جملة ملاحظات خاصة به، نجملها في الآتي:
الملاحظة الأولى: ذكرت الباحثة جميلة تلوت أن التصوف عرف اتجاهين متميزين، أولهما الاتجاه التجريدي، وثانيهما الاتجاه السلوكي الأخلاقي.
والاتجاه التجريدي هو “الاتجاه الذي يتحدث بالحقائق والأسرار في المجالس الخاصة والعامة دون تفريق، كما هو الحال عند أبي يزيد البسطامي والحلاج”، ثم علقت على هذا الاتجاه بقولها: “كثيرا ما يتم تسميته باتجاه [الاتحاد والحلول] أو [وحدة الوجود]، إلا أنه لا يمكن وصف تصوف أبي يزيد البسطامي بهذا الأمر، إذ لم يعرف هذا التوجه الصوفي إلا في عهد ابن [الـ]عربي الحاتمي، لكن التوسع في التجريد والتأويل جعل هذا الضرب من التصوف عند البعض أشبه بالاتحاد والحلول”[51].
وهذا الاقتباس نحشي عليه بنكت سريعة دون بسط:
1 ــ من ينسب شخصا أو فريقا أو اتجاها إلى “الحلول والاتحاد” وإلى “وحدة الوجود” في آن واحد فهو لا يفقه الأدبيات الصوفية جيدا، ويكرر ما يسمع من سردية متداولة ليس إلا، والواقع أنهما عقيدتان مختلفتان ومتباينتان، فالذي يؤمن بوحدة الوجود يؤمن بالوحدة/الأحدية المطلقة، ولا يرى ثانيا لها، وهو ما يسمى في أدبيات الصوفية بالسوى أو الأغيار، وبما أنه لا يرى سوى الله، ففي أي شيء سيحل ويتحد؟
2 ــ ابن العربي الحاتمي رمز من رموز وحدة الوجود، لأنه دندن على هذا المفهوم كثيرا، لكنه ليس أول قائل به، ولا أول مبدع له، لذلك نجده عند كل الصوفية أرباب الحقائق، بمن فيهم مولاي عبد القادر الجيلاني الذي كان ابن تيمية ينثر عليه أريج الثناء، كما أنه موجود في أدبيات ابن تيمية نفسه، وقد فصلنا ذلك في كتابنا “ابن العربي الحاتمي، مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية”، أما الادعاء بأن اتجاه وحدة الوجود لم يعرف إلا في عهد ابن العربي الحاتمي فوهم كبير.
3 ــ حاولت الباحثة أن تميز بين الحلاج والبسطامي، مع العلم أنهما من بابة واحدة، ومن أقوال البسطامي التي تضارع أقوال الحلاج: سبحاني، ما في الجبة إلا الله، وغيرهما مما قال عنه الذهبي: “ظاهره إلحاد”[52].
الملاحظة الثانية: تطرقت الباحثة إلى أقوال الإمام الجنيد في التوحيد، وذكرت قوله: “إذا تناهت عقول العقلاء في التوحيد تناهت إلى الحيرة”، وعلقت عليه بقولها: “هذا القول قد يوحي إلى موقف سلبي من الكلام عموما، والاعتزال خصوصا”[53]. فمن أين فهمت الباحثة موقفه السلبي هذا؟
الجلي من السياق، أنها فهمت مصطلح “الحيرة” فهما لغويا محضا، وفهمت منه دلالته السلبية، وبنت على ذلك خلاصتها وفهمها، وهذا يدل كما سبقت الإشارة إلى بُعد الباحثين عن الحقل الصوفي ومعجمه وأدبياته، لأن “الحيرة” في المعجم الصوفي ليست ذات دلالة سلبية، لذلك قال ابن الفارض: “زدني بفرط الحب فيك تحيرا”، وقال ابن العربي الحاتمي: “الوصول إلى الحيرة في الحق هو عين الوصول إلى الله”[54]، وقال أيضا: “الهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة”[55]، والصوفية في المغرب كانوا وما زالوا يرددون دعاءهم الأثير: “اللهم اجمعنا على محبتك، وأعِنّا على طاعتك وخدمتك، وطهرنا تطهيرا نصلح به لحضرتك، ولقي نبيك عليه السلام، وزدنا فيك تحيُّرا، …”.
بناء على ما سبق وتأسيسا عليه، فإن عبارة “الحيرة” في مقولة الجنيد لا تحمل دلالة سلبية، ولا يمكن الاعتماد عليها لنفهم موقفه من علم الكلام أو الاعتزال كما ذهبت إلى ذلك الباحثة.
نعم، يمكن أن نفهم موقف الإمام الجنيد السلبي من المناقشات الكلامية حول الذات الإلهية من نصوص أخرى، مثل قوله: “أقلّ ما في الكلام سقوط هيبة الرب جل جلاله من القلب، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان”[56].
الملاحظة الثالثة: حين يتحدث الباحثون عن التصوف في المغرب، فإنهم يربطونه ميكانيكيا بالجنيد تبعا لمنظومة ابن عاشر رحمه الله، وبما أنه من الصعوبة بمكان العثور على الأثر الجنيدي في التصوف المغربي كما هو الحال بالنسبة للإمام مالك في الفقه، فإن الباحثة استعاضت عن ذلك بالحديث عن أسانيد المغاربة للإمام الجنيد، وذكرت ثلاثة أسانيد، لكنها ذكرت الأسانيد الثلاثة بدون حس نقدي وبدون مراجعة، وخضعت للسردية المتداولة خضوعا مطلقا.
والسند الأول مسلسل بالمصافحة، وفيه مصافحة أبي حامد الغزالي لأبي المعالي الجويني، ومصافحة أبي المعالي لأبي طالب المكي صاحب قوت القلوب، ومصافحة أبي طالب المكي لأبي محمد الجريري[57]. وهذا سند منقطع حتما، لأن أبا المعالي الجويني ولد بعد وفاة أبي طالب المكي بحوالي ثلاثين سنة، (ولد الجويني سنة 419هـ، وتوفي أبو طالب المكي سنة 386هـ)، فكيف صافحه؟
أما لقاء أبي طالب المكي (ت:386هـ) بأبي محمد الجريري (ت:311هـ) ومصافحته له فمستبعدة جدا، لأن أبا طالب المكي لو ولد في سنة وفاة الجريري لمات وعمره خمس وسبعون سنة، ويقوي استبعاد لقائهما أن مترجمي الجريري والمكي لم يذكروا لقاءهما، ولم يذكر أحد أبا طالب ضمن تلاميذ الجريري، ولم يذكروا الجريري ضمن مشيخة أبي طالب.
وعموما، فهذا السند منقطع، وما يقال عنه يقال عن السند الثاني، وهو مسلسل باللقمة، حيث يقول كل واحد لقمني فلان، وفيه إعطاء الجريري لقمة بيده لأبي طالب المكي، وإعطاء أبي طالب لقمة لأبي المعالي الجويني، وقد بينا الانقطاع بين هؤلاء بما لا فائدة من تكراره.
أما السند الثالث (سند الطريقة المشيشية)، فالباحثة لم تعزه إلى أي مصدر، ولم تحلنا على أي مرجع، وهو من طريق الغزالي عن الجويني عن أبي طالب المكي عن الجريري، وهو سند منقطع كما بيناه.
اكتفت الباحثة بسرد هذه الأسانيد الثلاثة دون تحقيق أو تدقيق أو مناقشة أو استفهام، وكأنها أسانيد متصلة قوية سليمة، والاكتفاء بهذه الثلاثة مع ضعفها يطرح أكثر من تساؤل حول السند الصوفي المغربي.
الملاحظة الرابعة: تضمنت الأسانيد الثلاثة ذكر أبي بكر ابن العربي المعافري باعتباره راويا وناقلا ومصاحبا لأبي حامد الغزالي، لتخلص الباحثة إلى مركزيته في التصوف المغربي قائلة: “انطلاقا من هذه الأسانيد يظهر أن التصوف عرف طريقه للمغرب في أوائل القرن السادس كأقل تقدير عن طريق ابن العربي الذي سافر إلى المشرق ودرس على الغزالي وذهب لبغداد وجلب كتب الصوفية معه للأندلس، ومنه أخذ أبو الحسن بن حرزهم الفاسي التصوف وانتقل بعدها لربوع المغرب”[58].
وهذا الاستنتاج لا يستقيم ولا يصح من وجوه:
الأول: بينا أن السند الذي يتضمن أبا بكر ابن العربي لا يصح لانقطاعه، وقديما قيل: أثبت العرش ثم انقش.
الثاني: ذكرت الباحثة أن ابن العربي جلب كتب الصوفية معه إلى الأندلس، وبتتبع ما جلبه من أجزاء ورسائل ومصنفات، وباستثناء إحياء علوم الدين، فإننا لا نكاد نجد للتصوف أثرا.
الثالث: حين أقدمت السلطة المرابطية على حرق كتاب إحياء علوم الدين، لم يتبنَّ ابن العربي أي موقف للدفاع عن التصوف أو الإحياء.
الرابع: اشتهر ابن العربي بنقد المقولات الصوفية لشيخه الغزالي، وكذا مقولات غيره من صوفية المشرق، وكان في بعض تنقيداته قاسيا ولاذعا لا يراعي حرمة المشيخة، وهذا مخالف لمنهج الصوفية.
الخامس: وهو أهم مما قبله، لو أن التصوف المغربي كان يدور في إسناده حول ابن العربي، لكان للصوفية به احتفاء واعتناء، لكن صوفية المغرب على عكس ذلك، وقد نوقشت من قِبلهم هذه الأسانيد التي فيها ابن العربي وعلقوا عليها تعليقات تدل على عكس ما ذهبت إليه الباحثة، فالشيخ عبد السلام بن الطيب القادري اعترض على تلقي ابن حرزهم للتصوف عن ابن العربي، وقال: “وما ذكرته من أخذ الشيخ ابن حرزهم عن عمه صالح إلى آخره هو التحقيق والمعتمد في طريقه الخاصة، وما يوجد عند غير واحد … هذا لا يصح، فإن أهل الظاهر لا يسمتد منهم أهل الباطن”[59]، وكان العارف عبد الرحمن الفاسي صاحب الحاشية الشهيرة على الجلالين ينفي عن ابن العربي الخصوصية وكونه من الصوفية العارفين، وعلق على السند الذي ذكرته الباحثة المتضمن لأخذ ابن حرزهم عن ابن العربي بقوله: “هذا لا يصح، فإن أهل الظاهر لا يستمد منهم أهل الباطن”[60]، وذكر سبط الشاذلي في [النبذة المفيدة]: “أن ابن حرزهم إنما أخذ عن ابن العربي علم الظاهر، وشيخه الحقيقي هو عمه أبو محمد صالح بن حرزهم، وكذا ابن العربي لم يأخذ عن الغزالي إلا العلم الظاهر، والغزالي عن إمام الحرمين إنما أخذ عنه العلم الظاهر”[61]. وعموما، فصوفية المغرب متفقون على أخذ ابن حرزهم عن عمه الذي صاحبه ولازمه، وأنه شيخه في التصوف، وليس أبا بكر ابن العربي كما ذُكر.
الملاحظة الخامسة: أثناء الحديث عن سمات وخصوصيات التصوف المغربي، اعتمدت الباحثة على بعض الاقتباسات من متن الإمام زروق رحمه الله، لتستخلص منها أن “كتابات الصوفية تزخر بالتنبيهات الدالة على أهمية المعرفة الفقهية”[62]، و”أن التصوف بالمغرب كان يسير جنبا إلى جنب مع بقية العلوم الإسلامية”[63].
وهذا الجمع بين التصوف وغيره من العلوم ليس من خصوصيات التصوف المغربي دون سواه، وليس من سماته دون غيره من نماذج التصوف العالمية، بل هو سمة عامة للتصوف الإسلامي في عامة الأقطار، وقد ذكر الإمام الكلاباذي ثلة من رواد التصوف في مقدمات كتابه “التعرف”، مثل الحارث بن أسد المحاسبي ويحيى بن معاذ الرازي ومحمد بن علي الترمذي وغيرهم، وختم سرد ثبَتهم بقوله: “هؤلاء هم الأعلام المذكورون المشهورون، المشهود لهم بالفضل، الذين جمعوا علوم المواريث إلى علوم الاكتساب، سمعوا الحديث، وجمعوا الفقه والكلام واللغة وعلم القرآن، تشهد بذلك كتبهم ومصنفاتهم”[64]، وكلامه بيِّنٌ جلي في أن التصوف المشرقي “كان يسير جنبا إلى جنب مع بقية العلوم الإسلامية”، وأن هذه السمة ليست من خصوصيات التصوف المغربي.
الملاحظة السادسة: ميزت الباحثة جميلة تلوت بين التصوفين المغربي والأندلسي، ووصمت الثاني بانبنائه على الفلسفة الإشراقية، وذكرت من رموزه ابنَ العريف وابن برجان وابن قسي، وأشارت إلى أهم مقولاته وهي “وحدة الوجود”. بخلاف التصوف المغربي الذي يطغى عليه البعد العملي والأخلاقي، ورفض القول بوحدة الوجود وإسقاط التكاليف[65].
وهذه الأحكام والإطلاقات تحتاج إلى تقييدات وتحقيقات، نورد أهمها تباعا:
أ ــ التصوف الأندلسي في الغالب مثل التصوف المغربي، وبينهما تمازج وتماشج وامتداد واستمداد، وابن العريف وابن برجان من رموز التصوف الأندلسي الذين أُشخصوا ظلما إلى السلطان بمراكش، وكان معهما الثالث، وهو أبو بكر الميورقي، وهؤلاء الثلاثة هم رموز التصوف حينذاك، ولم يكونوا وأتباعهم من الإشراقيين أو المتفلسفين، بل كانوا علماء زهادا صالحين، نقموا على الدولة المرابطية وعارضوها لما أصيبت بالانحراف، ولما كان الفقهاء هم عصب الدولة، كان حريا بهم أن يواجهوا هؤلاء الصوفية المعارضين، فواجهوهم بدعاوى البدع والانحراف، وهم من كل ذلك براء، ويكفي أن أورد ترجمة ابن الأبار للميورقي، ونصها: “كان فقيها ظاهريا عارفا بالحديث وأسماء الرجال، متقنا لما رواه، يغلب عليه الزهد والصلاح”[66]، ولو كان هذا الصوفي من المتفلسفة الإشراقيين الأفلاطونيين لما تردد ابن الأبار في ذكر ذلك.
ومما يؤيد وجهة نظرنا أن الميورقي هرب من سلطان مراكش إلى بجاية، واحتضنه أهلها وعاش بينهم، ورووا عنه وتلقوا منه العلم، وأهل بجاية لا يتعاملون بهذه الطريقة مع الإشراقيين المبتدعة.
وما يقال عن الميورقي يقال عن ابن برجان، وقد ترجمه ابن الأبار بقوله: “كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث والتحقق بعلم الكلام والتصوف مع الزهد والاجتهاد في العبادة، وله تواليف مفيدة”[67]، ولم يشر قط إلى إشراقيته أو تأثره بالغنوصية أو غير ذلك.
والتصوف المغربي لم يكن على النقيض من هؤلاء الصوفية الأندلسيين، بل كان على وفاق تام معهم، ويكفي أن المغاربة تعاملوا مع ابن برجان وابن العريف بنوع من التعظيم والتقدير، وبنوا على قبورهم أضرحة ما زالت شاهدة على ذلك إلى الآن، وحين وفد تلاميذهم وخريجو مدرستهم إلى المغرب حملوا لواء التصوف في دياره دون أن يعارضهم المغاربة أو يتعاملوا معهم بكونهم مكون مخالف لهم، ومن أمثلتهم أبو الحسن علي بن غالب دفين القصر الكبير وتلميذه عبد الجليل القصري دفين سبتة وغيرهم.
وعموما، فالقول بأن التصوف المغربي مخالف للتصوف الأندلسي غير مسلّم بإطلاق.
ب ــ القول بوحدة الوجود ليس وليد المؤثرات الإشراقية الفلسفية، بل هو من صميم الثقافة الإسلامية التوحيدية الأصيلة، وأقوال ابن العربي الحاتمي تتطابق في هذا الباب مع أقوال ابن تيمية، رغم اشتهار الثاني بإنكار ذلك وتبديعه، كما أن القول بوحدة الوجود ليس خاصا بصوفية الأندلس، بل هو من المشترك بين عموم الصوفية، والمغاربة القائلون بوحدة الوجود لا يحدهم الحصر، منهم القطب مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه القائل في صلاته الشهيرة: “وزج بي في بحار الأحدية، وانشلني من أوحال التوحيد” مثل القول بالاثنينية، “وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها”، وأبو مدين الغوث رضي الله عنه يقول بوحدة الوجود أيضا، ومن روائعه اللاهجة بذلك: “اللهَ قل وذر الوجود وما حوى … إلخ”، وكان القطب مولاي العربي الدرقاوي ــ وهو مجدد الشاذلية ــ لا يتردد في تمثل قول الشاعر[68]:
مذ عرفت الإله لم أر غيرا///وكذا الغيرُ عندنا ممنوعُ
مذ تجمعت ما خشيت افتراقا///وأنا اليوم واصل مجموعُ.
ويذَكّر أتباعه بقول سيدي عبد الرحمن المجذوب:
غيبت نظري فْ نْظروا///وفنيت عن كل فاني
حققت ما وْجْدْت غِيرو///ومشيت فْ الحال هاني.
وكان تلاميذ مولاي العربي الدرقاوي المنتشرون في الربوع المغربية يتبنون ما لهج به، ويشرحونه ويبينون غامضه، ولا يكاد يوجد كتاب أو رسالة للإمام سيدي أحمد بن عجيبة إلا وتجد فيها أثرا وإشارة أو تصريحا بوحدة الوجود، بل له تقييدان في وحدة الوجود، طُبعا في رسالة مفردة.
أما على مستوى الإنشاد الصوفي المغربي، فحدث عن وحدة الوجود ولا حرج، ويكفي أن مجالس الصوفية لا تخلو من أشعار أبي الحسن الششتري أو سيدي محمد الحراق تلميذ مولاي العربي الدرقاوي.
وللمغاربة اعتناء بنونية الششتري، شرحها سيدي أحمد زروق وسيدي أحمد بن عجيبة وسيدي عبد العزيز بن الصديق، وهذه النونية تعتبر الاثنينية شركا، وهو ما عبر عنه مولاي عبد السلام بن مشيش بأوحال التوحيد، قال الإمام الششتري:
فرفْضُ السّوى فرضٌ علينا لأننا///بملَّة محو الشرك والشك قد دِنّأ
ومعناه أننا ندين الله تعالى بمحو الشرك، والشرك هنا هو اعتقاد الاثنينية المناقض لاعتقاد الوحدة، لذلك أعلن رفضه للسوى والأغيار، أما الكون وما فيه فليس إلا أوهام على الحقيقة:
ولم نُلفِ كُنْهَ الكونِ إلا توهما///وليس بشيء ثابت هكذا ألفينا
وتتبع مقولات صوفية المغرب عن وحدة الوجود يفوق الحصر، ومع ذلك، فإن الباحثين المغاربة ما فتئوا ينبذون هذا القول بدعوى أنه مخالف للسنة، ويجتهدون في إظهار التصوف المغربي باعتباره تصوفا سنيا، مع العلم أنه لا تعارض بين وحدة الوجود والسنية.
ج ــ لم يثبت عن التصوف المغربي أن أعلن نبذه للتصوف الأندلسي أو المشرقي الذي وصفته الباحثة بالنزعة الإشراقية أو غيرها، ولعل أهم رمز لهذا التصوف هو الحلاج، وهو الصوفي الذي قيل بكفره وزندقته ومروقه، لكن التصوف المغربي لم يخضع لهذه الأحكام السلفية، ولم يعلن نبذه للحلاج وأمثاله، بل نجدهم حاضرين في المتن الصوفي المغربي، ويكفي أن نذكر باحتضان التصوف المغربي لأبي الحسن الششتري، والعناية بمقطعاته وقصائده، خصوصا النونية المشار إليها سابقا، ومن أبياتها:
وذَوّقَ للحلاج طعم اتحاده///فقال: “أنا” من لا يُحيط به معنى
فقيل له: ارجع عن مقالك، قال: لا///شربت مداما كل من ذاقها غنّى
وانطلق للشبلي بالوحدة التي///أشار بها لمّا مجا عنده الكونا
وكان لذات النفري مولّها///يخاطب بالتوحيد صيّره خدنا …
وأصبح فيه السهروردي حائرا///يصيح فما يلقي الوجودُ له أذنا
ولابن قسي خلع نعل وجوده///وليس إحاطات من الحجر قد تبنا
أقام على ساق المسرة نجلها///لما رمز الأسرار واستمطر المزنا …
به عمر بن الفارض الناظم الذي///تجرد للأسفار قد سهّل الحزنا
هذه بعض أبيات من نونية الششتري التي اعتنى بها الصوفية المغاربة، والبيت الأول لا تخلو منه “حضرة” مغربية عبر العصور، وهذه الأبيات تنظر بعين التمجيد والتعظيم لابن قسي صاحب خلع النعلين ولابن مسرة الأندلسيين وللحلاج والسهروردي وابن الفارض وغيرهم، فكيف نزعم نوعا من القطيعة مع أفكار ومنهج هؤلاء؟
ويكفي أن نورد ما قاله سيدي أحمد بن عجيبة في شرحه لهذه الأبيات، فإنه قال في بدايتها: “ذكر الناظم رجالا اهتدوا بعقولهم إلى الحق من الملة المحمدية”[69]، وهكذا اعتبرهم من المهديين ومن أهل الحق، ولم يعلن القطيعة معهم أو يسارع إلى نبذهم.
الملاحظة السابعة: الإغفال.
سبق أن نبهنا إلى إغفال الباحثة للإشارة إلى أبي ميمونة دراس بن إسماعيل أثناء حديثها عن المذهب المالكي في المغرب عموما، وفي فاس خصوصا، وقد مارست نفس الإغفال أثناء حديثها عن التصوف.
أشارت الباحثة إلى سمات التصوف المغربي، وحصرتها في اثنتين:
الميزة الأولى: التكامل العلمي بين الفقه والتصوف.
الميزة الثانية: البعد الأخلاقي العملي للتصوف المغربي.
وشخصيا، لا أرى هاتين السمتين مما يميز التصوف المغربي عن غيره، لأن التصوف المشرقي؛ سواء في صيغته القادرية أو النقشبندية أو الرفاعية أو غيرها؛ لا يبتعد عن هذه السمات والمميزات.
لكن، ما يهمني هو إغفال سمة أخرى، ولعلها أكثر حضورا في المغرب منها في المشرق، هي ظاهرة المجاذيب ورموز التصوف الذين لا علاقة لهم بالعلم والمعرفة الكسبية، وهذه ظاهرة لا يمكن إغفالها، خصوصا أنها ليست مرتبطة بالتصوف الشعبي، بل تمتد إلى تصوف النخبة من العلماء أو الأمراء، منهم:
** مولاي أبو شعيب السارية دفين أزمور، كان معلم القرآن للصبيان، وكان رمزا من رموز التصوف في المغرب كله، ولم يكن من العلماء أو الفقهاء.
** مولاي أبو يعزى يلنور، كان رجلا أميا، وكان العلماء يأخذون منه ويتلقون عنه، ومنهم الإمام عبد الجليل القصري صاحب كتاب شعب الإيمان وغيره.
سيدي علي بن أحمد الصنهاجي الشهير بالدوار، وهو شيخ سيدي عبد الرحمن المجذوب، كان بهلولا مجذوبا على طريق الملامتية، يدخل إلى ديار السلاطين المرينيين، فيكرمه السلطان ومن دونه[70].
** سيدي عبد الرحمن المجذوب، كان شيخا من شيوخ التربية، وهو أمي أيضا، تعلق به وتلقى عنه كثير من العلماء والفقهاء، أشهرهم أبو المحاسن يوسف الفاسي، وذلك بمدينة القصر الكبير.
** القطب سيدي عبد العزيز الدباغ، رجل أمي، وهو من كبار رموز التصوف، يفيض علما وعرفانا، وكان سيدي أحمد بن مبارك السجلماسي؛ كبير علماء المغرب في وقته؛ يلازمه ويرابط عنده، ودوّن جملة من معارفه في تخصصات شرعية متعددة في كتابه الإبريز، ومنها ما تعمد تركه وعدم تدوينه.
** سيدي أحمد الطرداني، شريف علمي، كان الإمام المجتهد أحمد بن الصديق الغماري يعتقد فيه ويسلّم له، وهو خاتمة الحفاظ بلا منازع.
وللإنصاف، فإن الباحثة جميلة تلوت ليست الوحيدة التي أغفلت هذا المكون المهم من مكونات التصوف المغربي، بل هو قاسم مشترك بين أغلب الكتبة الذين اقتحموا عتبة الحديث عن التدين المغربي بعد استوزار أحمد التوفيق، وكلهم يكتفون بترديد السردية المتداولة: التصوف الجنيدي، التصوف السني، تصوف الأخلاق والسلوك، تصوف الفقهاء، ارتباط العلم بالتصوف، إلخ، والتزام هذه السردية يتبدى من خلاله أنهم انخرطوا في الحديث عن التصوف تفاعلا مع القرار السياسي ليس إلا.
وهناك إغفال آخر، وهو أننا لا نجد أثرا في الفصل الخاص بالتصوف المغربي للتبرك، مع العلم أن “التبرك” بالصالحين أحياء وأمواتا وزيارتهم يعدّ عمدة من عمُد التصوف المغربي، وكان العلماء قبل العامة يشدون الرحال مع صعوبات الطريق وقساوة الطبيعة إلى أماكن نائية لزيارة أضرحة هؤلاء والتبرك بهم والتوسل إلى الله بجاههم، وتحفظ لنا كتب الرحلة والفهارس والتراجم زيارات عديدة قام بها كبار العلماء مثل صنيع الشيخ أبي عبد الله محمد الدرعي (من شيوخ الحضيكي) الذي كان ملازما لزيارة أبي العباس السبتي[71]، وزيارات أبي علي اليوسي المتكررة لضريح الإمام أحمد زروق بمصراته[72]، والزيارات المتكررة للشيخ محمد التاودي بن سودة رفقة شيخه أبي العباس أحمد بن محمد الصقلي الحسني لضريح مولاي عبد السلام بن مشيش[73]، ومما قاله الإمام التاودي بن سودة في إحدى زياراته لضريح مولاي عبد السلام بن مشيش في جبل العلم[74]:
أتيتكم كهلا وشيخا وناشئا///وفي كلّها أرجو نوالكم الجمّا
فها أنا قد خيّمتها بفنائكم///على وهَن، والصعب مني قد عمّا
فلا تُرجعوني دون فيْض بحاركم///ولا تحرموني من مواهبك العظمى.
الملاحظة الثامنة: عدم التوازن.
غطى الفصل الخاص بـ”التصوف في المغرب” 65 صفحة من الكتاب، وأغلب هذا الفصل (39 صفحة) مخصص للجنيد البغدادي، ولما وصلنا إلى جوهر التصوف المغربي [السمات والوظائف]، لم نجد سوى صفحات قليلات (13 صفحة)، وهذا اللاتوازن كان له أثر بالغ، حيث عرف جوهر الفصل ولبه اختصارا مخلا، ومن أمثلة ذلك:
أ ــ ارتبط الصوفية المغاربة بالجهاد، لكن كتاب الباحثة جميلة تلوت لا يعطي للجهاد إلا جزءا من فقرة، وذلك الجزء لا يتجاوز سطرين، ولست أدري عذر الباحثة في هذا الإخلال، خصوصا أن المادة العلمية حول جهاد الصوفية بالمغرب في متناول اليد، والضرورة داعية إلى ذكر هذه النقطة والإفاضة فيها، خصوصا ما صرنا نقرأه عن الصوفية وعمالتهم للاستعمار وخيانتهم للأوطان، وكان بإمكانها استحضار جهاد الزاوية الريسوني والزاوية الفاسية في معركة وادي المخازن، أو درقاوة طنجة في العهد الاستعماري، أو درقاوة تافيلالت في المنطقة السلطانية، أو صوفية الجنوب الشرقي المغربي بعد احتلال الجزائر، أو الحركة الجهادية لأحمد الهيبة، أو غيرها من الأمثلة والنماذج.
ب ــ ذكرت الباحثة ــ وفاقا للطرح الذي يتبناه الوزير أحمد التوفيق ــ وظيفة أخرى من وظائف التصوف المغربي، وهي “ضمان الزوايا الولاء للإمام”[75]، وبدل التفصيل والتبيين، اكتفت في هذه القضية السياسية الكبيرة بالكلمات الأربع السابقة دون أي زيادة، والواقع أن هذا الأمر ليس بهذه السهولة وبهذا الاستعجال، وما مواقف الزاوية الدلائية من السلطة منا ببعيد، إضافة إلى بعض الحالات الخاصة، مثل حالة أبي علي اليوسي مع السلطان مولاي إسماعيل العلوي، وحالة مولاي العربي الدرقاوي مع السلطان مولاي سليمان العلوي، وحالة سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني مع السلطان عبد الحفيظ العلوي، وحالة الأستاذ عبد السلام ياسين مع الحسن الثاني.
ج ــ ذكرت الباحثة في أقل من صفحتين وظائف التصوف المغربي، وحصرتها في خمس وظائف، لكنها كلها كلام مرسل، بدون أدنى إحالة أو توثيق، ومن يريد أن يتعرف على التصوف المغربي وظفر بهذا الكتاب فسوف لن يجد إلا كلاما موسعا عن الجنيد البغدادي، وكلاما مقتضبا ومرسلا عن التصوف المغربي، وهذا لا يليق بكتاب مخصص للتدين المغربي.
ومن نماذج هذه الوظائف، ما أسمته الباحثة الوظائف الدينية، وأتبعته بالوظائف التربوية، وهما معا لا يتجاوزان سبعة أسطر، والتصوف بالأساس له وظيفة دينية وتربوية، ومن غير السائغ ألا تتجاوز هاتان الوظيفتان المهمتان هذا الحيز المكاني الضئيل، والمثير أكثر، هو أن الباحثة لم تشر إطلاقا في هذه الأسطر السبعة إلى الورد والذكر والوظيفة، مع العلم أن هذا هو أساس التصوف المغربي وركنه الركين دينيا وتربويا.
ولو أن الباحثة اختصرت في كلامها عن الجنيد، وتوسعت أكثر فيما له علاقة بالتصوف المغربي أعلاما ومصنفات وأفكارا ومبادرات وأورادا لكان أجدى، وإلى الموضوع أقرب، وبه ألصق.
الملاحظة التاسعة: رمزية الإمام زروق.
كعادة الباحثين الذي اضطروا للحديث عن التصوف المغربي، فإنهم لا يجدون ضالتهم إلا في الإمام زروق، على اعتبار أنه فقيه مالكي، ويقولون بأنه رمز لتصوف الفقهاء، والتصوف السني البعيد عن البدع، وغير ذلك، ويقتنصون من تراثه نصا هنا وقاعدة هناك.
لم يكن أمام الباحثة بد من الخضوع لهذه السردية، لتمارس اللجوء أحيانا إلى الإمام زروق رحمه الله، مع العلم أن نصوص الإمام زروق، خصوصا في شروحه على الحكم العطائية، لا تبتعد عن القول بوحدة الوجود، كما أن الإمام زروق كان من أهل التبرك والأوراد إنشاءً وقراءة، ومنها الورد الشهير بين الصوفية المعروف بالوظيفة الزروقية، كما أن الإمام زروق كان يؤمن بنداء المخلوقات والاستغاثة بهم، وقد نصح مريديه بمناداته إنْ حَزَبَهم أمر ونزل بهم قضاء، فقال:
أنا لمريدي جامعاً لشتاته///إذا ما سطا جور الزمان بنكبةِ
فإن كنتَ في كرب وضيق وشدة///فنادِ أيا زروقُ آت بسرعةِ
فكَم كربة تُجلى بمكنون عزِّنا///وكم طرفة تُجنى بإفراد صحبةِ.
وكان يقول لأتباعه: “إذا أصابكم ضيم فاستقبلوا ناحيتي التي أكون فيها ونادُوا عليّ”[76]. والإمام زروق من تلاميذ الحافظ السخاوي، وترجمه في الضوء اللامع وقال عنه: “الغالب عليه التصوف والميل فيما يقال إلى ابن عربي ونحوه”[77]، ولا يقال عنه هذا إلا لما عُرف عنه من غوص في دقائق العرفان واعتقاد الكرامات وغير ذلك.
بناء على ما سبق، يتبين أن الإمام زروق ليس بعيدا عن عرفان ابن العربي الحاتمي، وأن تسننه هو تسنن ابن العربي الحاتمي، سواء بسواء، وأنهما يصدران من مشكاة واحدة، وأن الحديث عن تصوف سني وتصوف غير سني مجرد أوهام، وأن تبني السنة والدفاع عنها في أدبيات ابن العربي الحاتمي لا تقل عنها في أدبيات الإمام زروق.
وبعد … فهذه جملة ملاحظات وتنقيدات أردنا تقاسمها مع القراء، بعضها يمكن اعتباره ملاحظات حول الكتاب موضوع القراءة، وبعضها يمكن اعتباره نقدا للسردية المتداولة وليس نقدا للباحثة بالخصوص.
هذا، ونشير إلى أن للباحثة أجر الاجتهاد، وأجر اقتحام عقبة موضوع شائك معقرب لا يقوى على خوض غماره إلا ذوو الهمم العالية، فهي مشكورة على هذا، وقد وضعت لبنة في البناء تُحسب لها، وما أبديناه من ملاحظات وتنقيدات ليس بغرض التنقيص أو الطعن، ولكن الكمال لله، وملاحظاتنا بدورها تحتاج إلى ملاحظات وتنقيدات، لما قد تقع فيه من أخطاء وهنات.
كما نشير أخيرا إلى أن موضوع التدين المغربي ما زال في مسيس الحاجة إلى البحث والتنقيب والدراسة من خلال جهود الباحثين والدارسين في تخصصات شتى، خصوصا مجالات التاريخ والفقه والكلام والتصوف والفن والاجتماع، مع التحلي بالموضوعية والتجرد بعيدا عن الانخراط في خدمة أجندة ما ذات ارتباطات وامتدادات محلية أو إقليمية أو دولية.
الهوامش:
[1] جميلة تلوت، في التدين المغربي، نظرات في العقيدة والفقه والسلوك، مطبعة أمين كراف، سلا، ط: 1، 1440 ــ 2019، ص: 7.
[2] نفسه، 37.
[3] ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، دار الكتاب العربي، ط: 3، 1404: 117 ــ 118.
[4] جميلة تلوت، مصدر سابق: 50.
[5] نفسه، 82.
[6] نفسه، 83.
[7] مصطفى بنحمزة، منهج الأشعري في قراءة النص، مجلة الجذوة، ع: 1، 2013.
[8] نفسه، 38.
[9] نفسه: 115.
[10] نفسه: 116.
[11] نفسه: 150.
[12] نفسه: 207.
[13] نفسه، 42.
[14] ابن عساكر، تبيين كذب المفتري: 39.
[15] الذهبي، سير أعلام النبلاء: 12/31 ــ 34.
[16] جميلة تلوت، مصدر سابق: 35.
[17] نفسه، 93.
[18] نفسه، 159.
[19] أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي: 58.
[20] ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 6/520.
[21] نفسه: 12/367.
[22] نفسه: 5/556.
[23] ابن تيمية، منهاج السنة: 2/137.
[24] نفسه: 2/327.
[25] ابن عساكر، مصدر سابق: 118.
[26] نفسه: 67.
[27] جميلة تلوت، مصدر سابق: 165.
[28] المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: 216. (أحالت الباحثة على ص:212، ولم تذكر الكتاب ضمن لائحة المراجع لنتبين معلوماته الببليوغرافية، ولعل طبعتها مخالفة لطبعتنا).
[29] جميلة تلوت، مصدر سابق: 19.
[30] نفسه: 20.
[31] نفسه: 56.
[32] نفسه: 74 ــ 75.
[33] نفسه: 74.
[34] نفسه: 86.
[35] نفسه: 116.
[36] نفسه: 123.
[37] نفسه: 124.
[38] الحصكفي، الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار: 19.
[39] العيني، بدر الدين، عمدة القاري شرح صحيح البخاري: 3/229.
[40] الزركشي، البحر المحيط: 7/275.
[41] القرافي، الذخيرة: 1/153.
[42] علال الفاسي، نضالية الإمام مالك ومذهبه:43.
[43] جميلة تلوت، مصدر سابق: 130.
[44] عياض، القاضي أبو الفضل، ترتيب المدارك: 1/27.
[45] ابن العربي المعافري، العواصم من القواصم: 365.
[46] جميلة تلوت، مصدر سابق: 128 ــ 129.
[47] نفسه، 37.
[48] نفسه: 140.
[49] المهدي الوزاني، تحفة أكياس الناس بشرح عمليات فاس: 43.
[50] نفسه: 43.
[51] جميلة تلوت، مصدر سابق: 166.
[52] الذهبي، سير أعلام النبلاء: 13/88.
[53] جميلة تلوت، مصدر سابق: 170.
[54] ابن العربي الحاتمي، الفتوحات المكية: 4/43.
[55] ابن العربي الحاتمي، فصوص الحكم: 199.
[56] الذهبي، سير أعلام النبلاء: 14/68.
[57] جميلة تلوت، مصدر سابق: 196.
[58] نفسه: 200.
[59] أبو سالم العياشي، اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر، تحقيق د، نفيسة الذهبي: 163. (هامش) نقلا عن عبد السلام بن الطيب القادري في المقصد الأحمد في التعريف بسيدنا أبي عبد الله أحمد.
[60] أحمد بن الصديق الغماري، المؤذن بأخبار سيدي أحمد بن عبد المؤمن: 189. مناهج التحقيق في الكلام على سلسلة الطريق: 273.
[61] نقلا عن: أبو عبد الله محمد بن عيشون الشراط، الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس: 70. المهدي الفاسي، الإلماع ببعض من لم يذكر في ممتع الأسماع: 132.
[62] جميلة تلوت، مصدر سابق: 208.
[63] نفسه: 209.
[64] الكلاباذي، أبو بكر محمد، التعرف لمذهب أهل التصوف: 76.
[65] جميلة تلوت، مصدر سابق: 210 ــ 212.
[66] ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة: 1/359.
[67] نفسه: 3/21.
[68] الدرقاوي مولاي العربي، بشور الهدية في مذهب الصوفية المعروف برسائل مولاي العربي الدرقاوي: 85.
[69] ابن عجيبة أحمد، شرح نونية الششتري: 134.
[70] ابن عسكر، دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر: 75. الشراط، أبو عبد الله بن عيشون، الروض العطر الأنفاس: 73.
[71] الحضيكي، الرحلة الحجازية: 66.
[72] اليوسي، محمد بن الحسن، الرحلة الحجازية لأبي علي اليوسي، تح عبد المجيد خيالي: 81.
[73] ابن سودة، أبو عبد الله محمد، الفهرسة الكبرى: 127.
[74] أحمد بن الصديق، مناهج التحقيق في الكلام على سلسلة الطريق (مطبوع ضمن مجموع بعنوان أجزاء ورسائل الحافظ أحمد بن الصديق الغماري، المجموعة الثانية)، دار الرشاد الحديثة، 1446 ــ 2024: 1/200.
[75] جميلة تلوت، مصدر سابق: 215.
[76] أحمد بن الصديق، مناهج التحقيق في الكلام على سلسلة الطريق: 1/258.
[77] السخاوي، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: 1/222.
تعليقات