قراءة في كتاب: إشكالية التحقيب الثلاثي الغربي – الدكتور محمد صالح ضواي

قئة المقال:تقارير

قراءة في كتاب: إشكالية التحقيب الثلاثي الغربي – الدكتور محمد صالح ضواي الأستاذ بجامعة الملك فيصل بتشاد

صدر هذا الكتاب في نوفمبر 2023م عن دار الأجنحة-الخرطوم، وأُعلن عن ميلاده في حفل تدشين وتوقيع، حضره عدد كبير من العلماء والمثقفين والباحثين من مختلف الجامعات التشادية.

لقد فكك المؤلف، فكرة العصور القديمة عند مؤرخي وفلاسفة الغرب المنبثقة من تشكيلات الإمبراطورية الرومانية، ذات الطبيعة العسكرية والحضارية، مفنِّداً أفكارهم التي تتحدث عن مدح الذات وذم الآخر، كما فَنَّد وبصبر الباحث المدقق صاحب الرؤية والمشروع، جهل معظم رجالات الغرب بإفريقيا القارة على الرغم من وجود الإشارات الواضحة التي أوردها على هذه القارة، أبو التاريخ الغربي كما يدعون هيرودوت.

لم أقرأ هذا الكتاب القيِّم دفعة واحدة، ولكنني جعلته على دفعات كي استمتع بقراءته، وذلك لعمق الأفكار ودقّتها، وسلاسة الأسلوب ومطاوعة اللغة للكاتب.

ومما يثير الدهشة في هذا المضمار، متابعة الكاتب الدقيقة والتغطية الشاملة لحيثيات الموضوع المطروح، والمتابعة المنهجيّة والتاريخيّة والفكريّة والفلسفيّة والأدبيّة والعلميّة، حيث وقف عندها موضحاً من يملك بنك الحق؟ ومن هو المركز ومن هو الهامش؟

وقد تابع الباحث كل هذه الحقائق بدقة الكاتب الواثق بنفسه. ويدل عليه، هذا التوثيق بالمصادر المعترف بها من قبل أهل ملة التحقيب الثلاثي أنفسهم. ولأن الكتاب من أوله إلى آخره وحدة واحدة، قسمه مؤلفه بعناية القاصد في وحدات، وهو غير التقسيم المنهجي المعتاد لدى معظم الكتاب والباحثين في هذا الفرع من فروع المعرفة. فبدأ بتحديد المصطلحات الغربية وتجلياتها. واستخدامه لعبارة (غربيّة) تعني الدقة بغية تفنيد مقاصد المقصود من فكرة التحقيب (موضوع) البحث، موضحاً كيف أن أولئك القوم من الباحثين انطلقوا من معاقل فكرية محلية جعلت منهم أسرى يحُومون حول أنفسهم ويستضيئون بنور قنديل ذاتي.

عرّج الكاتب على أهم مشروعات مراكز البحث العلمي وصناعة الأفكار هناك، وقد قصد بها الجامعات الغربية، وهذه لابد لها من أن تحوم حول نفسها؛ لأنها خارجة من رحم الكنائس الغربية، ونحن نعرف ما قامت به تلك الكنائس. وبعدد هائل من المآسي في الغرب وخارجه، ولكن بآليات ناعمة وفقاً لخطابها الديني، بيد أنها هي التي باركت كل عمليات الغزو وسلب ونهب الحجر والبشر والشجر، سواء في ذلك، أكان فوق الأرض أو تحتها، كما لم يسلم من شرورها الحيوان الأعجم.

أولئك هم الذين وضعوا التاريخ الكوني في حقب ثلاث: قديم، حديث، ومعاصر، نازعين الوسيط من حلقات التاريخ، إذ أن الوسيط هو أهم عصور الازدهار والأنوار عند غيرهم، وفي هذا المنهاج سار معظم مفكري وفلاسفة الغرب باستثناء نفر قليل على رأسهم آرنولد توينبي.

وفي الوحدة الثانية من هذا الكتاب والتي وسمها الكاتب بالمقاربات الأولية لأبعاد التحقيب الثلاثي، حيث قام بتقسيمه منهجياً إلى مقاربات ثلاث، هي العصور القديمة والتي وقف عندها وقفة الناقد برؤية، الرافض بتبرير ممنهج، مدللاً على ذلك ببراهين وحجج وقرائن تتحدث عن نفسها. ثم عرّج الكاتب على العصور الوسطى، وهي أولى المحطات عندهم لنفي الآخر، ففنّد هذا النفي بجدارة العالم بالمقارنة، لبيان الحقائق التاريخية والفكرية، بوجود الآخر (العالم الشرقي).

ومن أوضح الأمثلة على ذلك وفود الأعداد الهائلة من طلاب العلم في الغرب نحو الشرق. غير أن هذه الفترة لا تخدم الحضارة الغربية الناهضة حديثاً، إذن هي فترة عارضة، خاملة، كسولة ومضطربة، ومن ثم يصعب عليهم الإجابة عن السؤال القائل: إذا كانت هي كما يصفون، فلماذا هم يحجون إليها جماعات وفرادى؟

وفي العصور الحديثة تحدث عن عصر النهضة الصناعية والفكرية وعن الكشوف الجغرافية، وهي في الواقع من أسوأ فترات التاريخ بالنسبة لبقية العالم غير الغربي. الغرب الذي انتهك فيها محطات الجغرافيا والتاريخ والحضارة وتراث الإنسان.

ثم تناول الكاتب في الوحدة الثالثة من هذا الكتاب القضايا التي تشابكت فيها أكثر من أربعة عناصر جوهرية، وهي: الآلية والمنهج، والرأي والاجتهاد، على التوالي والتوازي. هذه الوحدة من هذا الكتاب تُعد في نظري من أخطر محطات الكتاب حرارة وحركية حية، لذا لم يتطرق إليها أحد من قبل على حد علمي، اللهم إلا أولئك القائلون بنظرية (المركز) ولابد أن يكون للمركز (هامش) بيد أنه في عالم الفكر والثقافة لا توجد مراكز وهوامش، فالفكر فكر وإن قل، والتاريخ تاريخ وإن كان إنجاب طفل ميت، فلكل حضارته، ومن ثم تراثه الذي قامت بصناعته الأجيال المتعاقبة هنا أو هناك. فأين الهامش؟

الكتاب قراءة واعية تحتاج إلى قارئ واع، يقرأ، يتوقف، يتساءل، يقارن، يقيّم، يفهم، ثم يقوم بإصدار حكم معين تجاه القضايا والأفكار المطروحة التي قام بعلاجها الكاتب وكيف عالجها؟

الكتاب، عبارة عن مغامرة فكرية فلسفية تاريخية أضحت بحكم انتشارها جزء لا يتجزأ من الحقائق الثابتة وغيرها من المسائل المحلولة، غير أن الكاتب قد اقتحم هذه الحصون، فاتحاً أبواب الصدور والعقول واضعاً مبضعه في جوفها، محللاً، معللاً، بحق عدم وجود ثابت في هذه القضايا، فقد حلل الآراء والاقتراحات مازجاً إياها بمعايير النظريات التي تقول بتأسيس الوعي التحقيبي على تلك اللفتات التي أشار إليها الكاتب في نهاية الكتاب، مفنداً بعقل واع في سياقات منهجية وضعها والتزم بها، في معالجة القضايا والإشكالات التي بدأت من المقدمة حتى الخاتمة.

وفي ختام هذه المطاردة العاجلة، يمكننا القول، بأن هذا الكتاب، دراسة غير عادية، توغلت دونما إنذار، في قضايا صناعة الفكر، الفكر الرافض، النافي لمحطات فلسفة التاريخ الغربي الذي وضعت له المناهج العاتية بكونه تاريخ التاريخ العالمي للعالم، وبلا منازع، على الرغم من وجود المنازع القوي في العالم غير الغربي.

حاول الكاتب، بإصرار عبر أسلوبه المرن، وتحقيقه الجاد، هزّ هذا العرض الذي بُني على التمركز حول الذات، كما أشار بأسلوب المهموم بقضايا أمته الكبرى والصغرى، إلى إشكالية أولئك التابعون للمركز دونما وعي. وهم للأسف قادة صناعات الفكر في مؤسساتنا التعليمية بمختلف مراحلها، وهم بلا وعي يرقصون في معزوفة المركز وهم في الهامش.

دكتور/ حامد عبد الله أحمد

كاتب وأكاديمي، أستاذ الفلسفة في جامعة أنجمينا

    • جامعة بنغازي | تقارير | 3 مارس 2024

    ندوة علمية أساسيات ومبادئ الطاقة المتجددة

    ندوة علمية أساسيات ومبادئ الطاقة المتجددة نظم مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي ندوة علمية تحت عنوان “أساسيات ومبادئ الطاقة المتجددة…

    • المحرر | تقارير | 21 فبراير 2024

    المؤتمر الدولي السنوي للدراسات الإسلامية 2024

    المؤتمر الدولي السنوي للدراسات الإسلامية 2024  اَلْمُتَرْجِم : يَاسِينْ اَلشِّهَابِي صرح البروفيسور الدكتور محمد علي رمضاني، المدير العام للتعليم الإسلامي…

    • المحرر | تقارير | 20 فبراير 2024

    الملتقى الدولي السادس عشر للمذهب المالكي

    الملتقى الدولي السادس عشر للمذهب المالكي اشرف وزير الشؤون الدينية والأوقاف يوسف بلمهدي على افتتاح فعاليات الملتقى الدولي للمذهب المالكي…

تعليقات