أطروحة دكتوراه تناقش الخطاب الصوفي في الشعر الملحون

في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن طفيل (القنيطرة المغرب) ناقش الباحث عزالدين المعتصم أطروحة لنيل الدكتوراه في موضوع “” وذلك يوم 13/ 03/ 2018 أمام لجنة علمية مكونة من السادة الأساتذة:

الأستاذ الدكتور عبد العزيز اعمار

الأستاذة الدكتورة حنان بندحمان

الأستاذ الدكتور عبد النور الحضري

الأستاذ الدكتور فيصل الشرايبي

الأستاذ الدكتور أحمد الوارث

وقد نال الباحث درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا.

تقرير مناقشة الدكتوراه

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد:

إنه لمن دواعي سعادتي الغامرة، أنْ أَمْثُلَ اليوم بين يديْ لجنتكم الموقَّرة في هذا المَحْفَلِ الأكاديمي، لأحظى بشرف مناقشتِكم للأطروحة التي حضَّرتها بعنوان “الخطاب الصوفي في الشعر الملحون”. بداية، اسمحوا لي السَّادة أساتذتي أعضاء اللجنة العلمية الموقَّرة أن أستهلَّ هذا التقرير بكلمة أوجهها لأستاذي الجليل الدكتور عبد العزيز اعمار، الذي تفضَّلَ بالإشراف على هذا البحثِ ورعايتِه، منذ كان فكرةً إلى أن استوى خلقا أتمناه سويا. أتمنى أن تُسْعِفَنِي الكلماتُ لأُعْرِب عن خالصِ شكري وتقديري لأستاذي الكريم، على ما خصَّني به من كريمِ العناية وعظيم الاهتمام،  لقد كان لصائبِ توجيهاتِه ما شدَّ من أزْرِي وأطلقَ وسيلتي. أشكر ثقتَه الغاليةَ راجيا أن يجدَ في نتائجِ البحثِ بعضا من غرسِه الطيب. كما أتقدم بخالصِ الشكر وفائقِ التقدير لأعضاء اللجنة العلمية الموقَّرة أساتذتي الدكتورة حنان بندحمان والدكتور عبد النور الحضري والدكتور فيصل الشرايبي والدكتور أحمد الوارث، أشكرهم جميعا لتشريفهم لي بقراءة هذه الأطروحةِ والعملِ على مناقشتها وتقويمها.

كما أتوجه بوافر الشكر وعميق الامتنان لجميع من مدَّ لي يد العون من أجل إنجاز هذه الأطروحة، وفي مقدمتهم أساتذتي الأفاضل وأصدقائي الأعزاء، وشكر خاص لأفراد عائلتي الكبيرة والصغيرة. ولا يفوتني أن أشكر جميع الأصدقاء والحاضرين الذين شرَّفوني بحضورِهم ومتابعتِهم.

من المعلومِ أن دراسةَ الخطابِ الشعري بتعدد أنماطِه تعد مغامرةً، لأن ركوبَها حافلٌ بالخُطوبِ والمصاعب، ولكن لذَّةَ المغامرةِ تكتسي أهميةً بالغة، وقد تزداد أهميتُها إذا انصبَّت على الخطابِ الشعري الصوفي الذي يعكس تجربةً صوفيةً، تمثل الوعيَ بالذات أكثر من الوعي بما في العالم من هزَّاتٍ واضطرابات.

أولا: دوافع اختيار موضوع الأطروحة

إن العواملَ التي قوَّت من إصرارِنا على خوضِ مغامرةِ قراءة الشعر الملحون واستكناهِ موضوعاتِه الصوفيةِ، تكمن في القراءةِ العاشقةِ للشعر الملحون أثناء إنجازِ بحث الماستر بعنوان “الخطاب الصوفي في الشعر الملحون- عبد القادر العلمي نموذجا”. وقد حفَّزتنا هذه القراءةُ على ضرورةِ الاعترافِ بالدورِ الريَّادي الذي يضطلعُ به الشعرُ الملحون في التعبير عن حياةِ  المغاربة. حيث انخرطنا في البحثِ العلمي وبادرنا إلى توسيعِ دائرةِ الاهتمامِ النقدي والأكاديمي ليشملَ جميعَ الدواوينِ الشعريةِ الصادرةِ عن أكاديميةِ المملكةِ المغربية. وقد تمخَّضَ عن هذا الاهتمامِ إصدارُ العديدِ من الدراساتِ في مجلاتٍ علميةٍ محكمَّة وطنية ودولية نذكرها على النحو الآتي: تجلياتُ المقدَّسِ في فنِّ الحلقة بالمغرب، ضمن مجلة دراسات الفرجة، الصادرة عن المركز الدولي لدراسات الفرجة بطنجة؛ الخطاب الشعري الصوفي وسؤال التلقي، ضمن مجلة رؤى فكرية الدولية بالجزائر؛ منظومةُ القيم في المدرسة المغربية، ضمن مجلة أقلام ابن زيدون؛ موضوعاتُ التصوفِ في الشعر الملحون، ضمن مجلة أمل، الخمرة الصوفية في الشعر الملحون، ضمن مجلة مجرَّة والحب الإلهي في الشعر الملحون، ضمن مجلة علامات. وهناك مساهماتٌ علميةٌ قيدَ النشر يمكن إيرادُها على الشكل التالي: الرمز الصوفي في الشعر الملحون، ضمن مجلة الصقيلة في الإبداع والنقد بطنجة؛ التراث الشفهي العربي؛ إبداع إنساني أصيل، ضمن مجلة الثقافة الشعبية بالبَحْرَين؛ ملامح تطور النقد المنهجي، ضمن مجلة فكر العربية بالدار البيضاء؛ التربيةُ على القيم، ضمن مجلة علوم التربية، منشورات وزارة الثقافة المغربية؛ ثم تاريخ مدينة مكناس؛ دراسة في الهوية المغربية، ضمن مجلة أمل بالدار البيضاء. بالإضافة إلى هذه الدراسات المتنوعة استطعنا المشاركةَ في ندواتٍ وطنية ودولية، منها: المناهجُ النقدية وأسئلةُ الإبداع، تنظيم الراصد الوطني للنشر والقراءة بطنجة؛ مدحُ أقطابِ التصوف ضمن الندوة الدولية الموسومة بالمأثور الشعري والسَّردي والحَكمي العربي من خلالِ التعبير اللَّهَجي”، تنظيم مختبر اللغة والمجتمع، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة؛  ديداكتيك اللغة العربية، بمركز ديكارت للغات والعلوم؛ المراهقُ والحياةُ المدرسية بالثانوية التأهيلية ابن زيدون؛ وكذا التعليم العمومي “الواقعُ والآفاقُ”، بدار الثقافة سيدي يحيى الغرب.

كانت هذه بعضُ العواملِ المتحكمة في اختيار موضوع الأطروحة، فضلا عن عواملَ أخرى تتمثل بالأساس في السعي إلى الارتقاء بالشعر الملحون من خلال ملامسةِ لغة الخطاب الصوفي الزاخرةِ بالرموزِ والدلالاتِ التي تستدعي من المتلقي فهما علميا دقيقا، لأنها تستمدُّ قوتَها من عوالم التقديس الكبرى في حياتنا، رغم ما يَلُفُّ جوانبها من غموض.

تلك هي مجمل الدوافع التي حفَّزَتنا على اتخاذِ الشعر الملحون المغربي متنا لمقاربةٍ ذاتِ طابعٍ أكاديمي، تطمح لاستجلاءِ القضايا النظريةِ والمنهجيةِ التي يطرحها هذا الشعر، بغيةَ استشرافِ أفقٍ بعيد، يتهيأ به التفكيرُ في موضوعاتِه وجماليةِ شعريتِه.

ثانيا: إشكالية الأطروحة

أثارتنا إشكاليةُ تنحيةِ الخطابِ الصوفي من دائرةِ الاتصالِ الأدبي، واستوقفتنا أسئلةٌ كثيرةٌ متعلقةٌ بالظاهرةِ الصوفية، أهمها: هل استطاع شعراءُ الملحونِ استلهامَ موضوعاتِ التصوفِ الإسلامي كما وردت عند أعلامِه المشهورين؟ وهل تمكنوا من إتقانِ أصولِه في سياقاتٍ متباينةٍ، كالمرأة والخمرة والطبيعة؟ وهل الخطابُ الصوفي الذي وُلِدَ دينياً وأخلاقياً، يمكن أن يُنْظَرَ إليه على أنه أدبي؟ وهل يمكن تَصَوُّرُ الخطابِ الصوفي خارج حدودِ التجربةِ الحيَّةِ للمبدع؟ خصوصا عندما يَنْزَعُ الإنسانُ الشعبي إلى مساءلةِ ذاتِه وعلاقتِه بالعالمِ والآخرين؟

ثالثا: متن الأطروحة

كان همُّ الخطابِ الصوفي داعيا لمحاولةِ الإلمامِ بأهمِّ الظواهرِ النصِّيةِ فيه، فكان لابد أن نتتبعَ التجربةَ التي أنتجت هذه الظواهر، ولكي تكون النماذجُ ممثَّلَة، آثرنا أن نرصدَ هذه الظواهرَ من خلال الدواوينِ الشعريةِ الصادرةِ عن أكاديميةِ المملكةِ المغربية، بعدما تأكَّدنا أن تجربةَ الإبداعِ الصوفي بلغت ذِرْوَتَهَا عند شعراءٍ متميِّزين أمثال: عبد العزيز المغراوي، الجيلالي امتيرد، محمد بن علي العمراني ولد أرزين، عبد القادر العلمي، التهامي المدغري، أحمد الگندوز، أحمد الغرابلي، الحاج ادريس بن علي السنَّاني، السلطان مولاي عبد الحفيظ، والشيخ محمد بن علي المَسفيوي الدمناتي.

تطمح هذه الأطروحةُ إلى الاشتغالِ على الخطابِ الصوفي في الشعرِ الملحون، تُحَرِّكُهُ فرضيةٌ مركزيةٌ، ترى أن هذا النوعَ من الشعرِ استطاع أن يحقّق تطوراً ملموساً على مستوى موضوعاتِه وخصائصِه الفنِّية. ولم تكن هذه الفرضيةُ مجرَّدَ ظَنٍ نشأ في الوَهْم، ولكنها حصيلةُ فعلٍ تأمُّلي في نصوصِ دواوينِ الملحونِ المغربي، التي حقَّقَ فيها هذا الخطابُ الإبداعي طفرةً نوعيةً على مستوى المضمونِ والشكل.

رابعا: منهجُ الأطروحة

للإجابة عن إشكاليةِ الأطروحةِ، عمِلنا على قراءةِ الشعرِ الملحونِ الصوفي وخطابِه بعشقٍ كبير، بالإضافة إلى الانفتاحِ على المناهجِ الحديثةِ في نظريةِ تحليلِ الخطاب، حتى لا تجنحَ دراستُنَا إلى إفرازِ كلامٍ انطباعي وفضفاض، يظلُّ المطلعُ عليه مجانبا لفهم كلامِ المتصوفة، وبعيدا عن مرامِيه ومقاصدِه. ولتنظيمِ عملنا اعتمدنا المقاربةَ الموضوعاتية التي تعد (من منظورنا) مقاربةً تحليليةً ناجعةً في التعاملِ مع الشعرِ الملحون، وتتمثل أدواتُها الإجرائيةُ في الانطلاقِ من القراءاتِ الصغرى نحو القراءةِ الكبرى، وتفكيكِ النص إلى حقولٍ معجميةٍ وجداولَ دلاليةٍ إحصائية، تصب كلها في “الموضوعةِ المركزية”. وتنفتح هذه المقاربةُ على مقارباتٍ أخرى من حيثُ اعتمادُها على الفهمِ والتفسيرِ والتأويل.

تبعا لهذا كلِّه، تَوَلَّدَ لدينا همُّ أولي هو اكتشافُ كيفيةِ اشتغال المعنى في الخطابِ الصوفي وكيفية ملامسةِ موضوعاتِه في الشعرِ الملحون. الأمر الذي منَحَ لنا مبررَ الاعتمادِ على آلياتٍ مختلفةٍ من المناهجِ الحديثة، فرضتها الإشكاليةُ والمتنُ الشعريُّ المعتمدُ ذاتُه، لكنها تستند كلُّها إلى مبادئَ مشتركةٍ تَمْتَحُ من المناهجِ الحديثة. ولقد فُرِضت علينا هذه التوليفةُ المنهجيةُ للاختياراتِ الرئيسةِ للآلياتِ الأساسيةِ في النقدِ المعاصر، فبعد غيابِ منهجٍ متكاملٍ للتعاملِ مع مختلَفِ الخطاباتِ، أدركنا أنه الخيارُ الوحيد، نظرا لطبيعةِ الخطابِ الصوفي والإشكاليةِ معا.

خامسا: هيكل الأطروحة

لم يكنِ البناءُ العام للأطروحةِ منفصلا عن إشكاليتها المركزية، وهكذا توزَّع هذا البناءُ إلى مقدمةٍ وثلاثةِ فصول ثم خاتمة. وقد ذيَّلنا الأطروحةَ بملحقٍ موسوم بالمعجمِ الصوفي في الشعر الملحون.

ضمَّ الفصلُ الأول الذي اخترنا له عنوان: حول الخطاب الصوفي جهازا مفاهيميا تناول العدَّةَ النظرية التي تَضْبِطُ البحثَ بدقَّةٍ وصرامة، كما تناولنا مفهومَ التصوفِ لغةً واصطلاحا، فضلا عن تقديمِ إضاءةٍ حول مراحلِ التصوف، وتعرَّضْنا أيضا إلى الحديثِ عن الشعرِ الصوفي في مفهومِه وأغراضِه وكذا علاقتِه بسؤالِ التلقي، وخصَّصنا كذلك محورا للتصوف في الشعرِ الملحون المغربي.

أما الفصلُ الثاني المعنون ب “جمالية الخطاب الصوفي في الشعر الملحون” فقد جنح بنا إلى رصدِ الصورةِ الشعريةِ في نصوصِ الملحونِ الصوفي، وركزَّنا فيها تحديدا على الصورِ الرمزية، كاشفينَ ما بينها من تداخلٍ وتعالقٍ جعل منها تعبيرا عن مقاماتِ التصوف. كما استوقفتنا خصائصُ المعجمِ الصوفي الذي استرفدَ منه شاعرُ الملحون، باعتباره مبدعا مفتونا بما تنطوي عليه اللغةُ الصوفيةُ من شعريةٍ وجماليةٍ ورمزيةٍ وانزياحات.

أما الفصلُ الثالث الموسوم ب “تجليات الخطاب الصوفي في الشعر الملحون” فقد حاولنا من خلاله رصدَ أهم التيماتِ المهيمِنةِ في متنِ الأطروحة، قصدَ تبيُّن ما انفتح عليه الشعرُ الملحون من مضامينَ جديدةٍ وخصبة. وقادنا ذلك إلى الإمساكِ بالنواةِ الدلاليةِ أو الموضوعةِ المركزيةِ، وهي “الحب الإلهي” الذي يعدُّ المرآةَ العاكسةَ لمواجيدِ المتصوفةِ وإشراقاتِهم.

وأنهينا الأطروحةَ بخاتمةٍ ذكّرنا فيها بأهمِ النتائجِ العامة، وفسحنا المجالَ لبعضِ الأسئلةِ التي رأينا أنها بداياتٌ طيبةٌ، لموضوعاتٍ مهمةٍ لمن يريد أن يبحثَ في الشعر الملحون. كانت هذه نظرة موجزة عن فصولِ هذا العملِ، التي وجَّهها سؤالُ البحثِ في موضوعاتِ التصوفِ في الشعرِ الملحون.

أما بالنسبةِ لملحق الأطروحة فقد حاولنا من خلاله تبيانَ بعض المفاهيمِ والمصطلحاتِ التي استأثر بها الشعرُ الصوفي الذي مثَّلَ وجها معبرا عميقا، يحمل ظاهرةَ التصوفِ من مجالِ النظرِ إلى مجالِ المجاهدةِ الحية.

سادسا: الصعوباتُ التي واجهت الأطروحة

إن الصعوباتِ التي واجهت هذه الأطروحة، لم تزدها إلا إيمانا بالقيمةِ العلميةِ التي تحققها، بمقاربتِها لمتنٍ شعري يقتضي توسيعَ دائرةِ الاهتمامِ النظري والنقدي. ومن أبرز هذه الصعوبات:

  • فقر المكتبة العربية لدراساتٍ أكاديميةٍ عن علاقةِ التصوف بالشعر الملحون بمناهجَ حديثة.
  • وعينا بمشاكل البحث في موضوع يُعْرِضُ عنه الكثيرُ من الدارسين، ويَأْنَفُ عن تناولِه العديدُ من الباحثين لا لشيء، إلا لأن لغتَه بعيدةٌ عن العربيةِ المعيار.
  • إن مقاربةَ الشعرِ الملحون في ضوءِ مفاهيمَ ومقولاتٍ منهجية، نَعْلَمُ أنها حكرٌ على نصوصِ الشعرِ بالعربيةِ المعيار، هو في حد ذاته، فعلٌ ينطوي على قدْرٍ من المغامرةِ والمجازفة.

سابعا: نتائج وخلاصات

قادتنا مقاربةُ متنِ الأطروحة المتمثل في دواوينِ الشعرِ الملحون الصادرةِ عن أكاديميةِ المملكةِ المغربية، إلى النتائج التالية:

– لقد كان أولُ ما يثيرُ الانتباهَ عند شعراءِ الملحونِ الصوفي -من الناحية الفنيةِ- هو استعمالُ الرمزِ الذي يُفصح عن أذواقٍ نفسيةٍ ومشاعرَ روحيةٍ متشاكِلة، حيث تبدو من الخارجِ ذات سماتٍ حسِّيةٍ بَحْتَة، في حين توحي معانيها الداخليةُ بحقائقَ إلهيةٍ وأسرارٍ نورانية.

– وظَّف هذا الخطابُ الشعري مجموعةً من الصورِ البيانية، مما يضفي على الملحونِ الصوفي قيمةً ترشحه لأن يكون أدباً إنسانياً كونيا، لكونه يمثل فضاءً رحباً وأسمى من الروحانيات.

– أما من الناحية الموضوعاتيةِ فقد مكنَّنا الغوصُ في العالمِ الدلالي لقصيدةِ الملحونِ الصوفي من الإمساكِ بأهمِّ التيماتِ المهيمنةِ في دواوينِ الملحون، ورصدِ تناغمِها وصلتِها بالفكرِ الصوفي، وكلُّها موضوعاتٌ تتميزُ بالخِصْبِ والغِنَى، وتكشفُ عن موهبةِ شاعرِ الملحونِ وعبقريتِه المتميزةِ ورؤاه الفنية. واستخلاصُنَا لهذه النتائجِ جميعِها، هو حصيلةُ تتبُّعنا لدواوينِ الملحون وقراءتِها قراءةً ثاقبةً ومتمعِّنة.

ثامنا: الآفاقُ التي تفتحها الأطروحة

إن البحثَ في الشعرِ الملحونِ المغربي ممتعٌ على صعوبتِه، لأن الباحثَ فيه لا يُحْرَمُ استفادةً منه، فحيثما يمَّمَ  وِجْهَتَهُ لاحَ له من عظيمِ النتائجِ ما يبهره. ومن المؤكدِّ أن الخلاصاتِ التي انتهينا إليها ستفتحُ البابَ أمام أسئلةٍ نظريةٍ ومنهجيةٍ أخرى، إذ لا تنتهي أسئلةُ كلِّ دراسةٍ إلا لتبدأ من جديد، تلك هي القوانينُ التي تَسِمُ العملَ النَّقدي غير المطمئن للنتائجِ القارَّةِ والثابتة.

الآن ونحن نُقَدِّمُ هذا العمل، نعتبر ما حقَّقه من إضاءةٍ لمظاهرِ تطورِ الشعرِ الملحون الصوفي، جزءا يسيراً من طموحٍ أكبر يستحثُّنا لتعميقِ النظرِ ومضاعفةِ التفكيرِ في آلياتِ اشتغالِ هذا الإبداع. وهذه جملةُ مقاصدَ تستوجبُ تضافرَ جهودِ كلِّ المهتمين لإنصافِ هذا الحقلِ الإبداعي.

ومن هنا نرى أن المبدعَ لا يبدعُ إبداعاً في يومِه إلا قالَ في غدِه: لَوْ غُيِّرَ هَذَا لكانَ أحسَن، ولَو زِيدَ هذا لكان يُستَحسَن، ولَو قُدِّم هذا لكان أفضَل، ولَوْ تُرِكَ هذا لكان أجْمَل، هذا من أعظمِ العِبَر، ويوحِي بهيمنةِ النقصِ على جملةِ البَشَر. آمل أن أكون قد وُفِّقتُ في هذا الجهدِ المُتَواضِع، والذي عساه أن يكون لبنةً لأعمالٍ قادمةٍ قد تكون أكثرَ أهميةً وفائدة، لأنني لا أدَّعِي أنني حققتُ كلَّ الأهدافِ المنشودةِ والغاياتِ المتوخاةِ من تناول هذا الموضوع، فحسبي، أني قد بذلتُ ما استطعت من الجهود،  وعانيتُ ما عانيت من الصعوبات والمشاق، إلا أن الأستاذ المشرف “عبد العزيز اعمار” قد شجعني على مواصلةِ البحث، وأرشدني إلى كيفيةِ إخراجِه في أحسنِ حلَّة، وذلك من منطلقِ المعرفةِ والوِد، لا من منطلقِ إملاءِ الرأي والتشبثِ به. فلا بدَّ من كلمةِ شكرٍ صادقةٍ نابعةٍ من أعماقِ الوجدان، أوجهها لأستاذي الفاضل الذي ظلَّ، ولمدة سنوات، حريصا على أن يُحِيطَنِي برعايته، ويفيدَني بتوجيهِه الأغرِّ ونصائحِه الدُّرَر، فجزاه الله عني خيرَ الجزاء، وخالِص الشكر لوَالِدَيَّ الكَرِيمَينِ ولرفيقَةِ حياتي على تشجيعاتِهم وصبرِهم وتضحياتِهم، وتوفيرِهم لما يتطلبُه هذا العمل من ظروف خُلوةٍ كانت على حسابِ حقِّهم، من زمنِ ابنٍ وزوجٍ مُنْشَغِل، فلهم جميعاً أسمى عباراتِ المحبَّةِ والتقديرِ والاحترامِ، وأصدق كلماتِ المودَّةِ والاعتذار.

وأخيرا أقدِّمُ شكري الوافر وامتناني العميق للسَّادةِ الأساتذةِ الأجلاء أعضاء اللجنةِ العلميةِ الموقَّرة الذين تجشَّموا عناءَ قراءةِ هذه الأطروحة، بهدفِ تقويمِ ما فيها من اعوجاج، حتى تخرجَ في قَالَبٍ يقربها مما يليقُ بها من كمال.

تعليقات

5