ما هو الدين؟ وما هي النخبة الدينية؟

ما هو الدين؟ وماهي النخبة الدينية؟

د. عبد الرحمن الشعيري منظور – المغرب

تروم هذه الورقة البحثية محاولة تعريف وتحليل مفهومي الدين والنخبة الدينية في الأدبيات الرئيسة لعلم الاجتماع الديني، فيمكن الجزم بأن ” الدين” و”النخبة الدينية” يشكلان معا الجسر المنهجي والاصطلاحي الذي تمر عبره سائر المفاهيم النظرية المؤسسة لعلم الاجتماع الديني، من قبيل: “المعتقد” و”الممارسة الدينية” و”المؤسسات العبادية” و”الطقوس” وغيرها من المفاهيم، ومن ثمة ارتأيت تفكيك المفهومين في أدبيات علم الاجتماع الديني، من خلال رصد طبيعة حضور مفهوم الدين لدى رواد السوسيولوجية الدينية (1) ثم تحديد ماهية ووظيفة النخبة الدينية في المجتمعات الإنسانية من خلال انتقاء نخبة من الأعمال البحثية في هذا الحقل المعرفي (2).

1-مفهوم الدين في نظريات علم الاجتماع الديني.

يعدّ مفهوم الدين من المفاهيم العلمية الملتبسة داخل حقل العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وبصفة أخصّ في أدبيات علم الاجتماع الديني ذات المنشأ الغربي تقعيدا وتنظيرا، ويُعزى هذا الالتباس لعوامل متعددة منها ما يرجع لتعدد الأديان موضوع التعريف والدراسة، وكذا لتنوع المظاهر التعبدية والسلوكية والقانونية المرتبطة بها، مما يحتم أكاديميا ضرورة التوسل بمبدأ النسبية في التعريف، والأخذ بعين الاعتبار تعدد الظاهرة الدينية عند التحليل والتفسير العلمي لمفهوم ” الدين” دونما الاقتصار على نموذج واحد من الديانات[1].

وبناء على هذه الملاحظة المنهجية نخلص إلى ضرورة التمييز بين مفهوم الدين (Din) في الحقل الدلالي المرتبط بالإسلام قرآنا وسنة، وبين “دين” كترجمة للفظ ((Religion) في الفكر الاجتماعي والديني الغربي في مختلف مدارسه الوضعية واللاهوتية.

تفيد كلمة “الدين” في اللغة العربية معاني الطاعة والحساب والعادة، وقد أوضح اللغوي العربي ابن منظور ذلك في موسوعة لسان العرب فكتب: “يقال دان بكذا ديانة. وتديَن به فهو دين ومتدين (…) والدين العادة والشأن، والدين لله من هذا، إنما هو طاعته والتعبد له، والدين ما يتدين به الرجل.[2]

 ولحمولتها العقدية والتشريعية القوية في السياق الدلالي الإسلامي، وردت مفردة الدين ومشتقاتها مرات متعددة وكثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية، فعلى سبيل المثال حضرت كلمة دين في القرآن الكريم اثني وتسعين (92) مرة [3].

فالدين في السياق الحضاري العربي والإسلامي المشكل للخلفية المعرفية لهذه الورقة البحثية مرادف للإسلام، ويتمايز عن مفهوم “Religion” كما برز في أعمال علم الاجتماع الديني الدارس للمعتقدات المسيحية ومدارسها اللاهوتية وممارستها الكنسية، فقد وظفت معظم نظريات السوسيولوجية الدينية الغربية مفهوم دين، أي”Religion” لغاية وظيفية بُغية التمييز بين مجاله الخاص المرتبط بالعقيدة المسيحية والكنيسة أي “المقدس” وبين ما اصطلح عليه “المجال المدنس” ذي العلاقة بالدولة والسلطة السياسية الزمنية. وهو الأمر الذي أفرز تناقضات معرفية وسياسية شكلت معايير لازالت ممتدة زمنيا في كليات الفكر الديني والسياسي الغربي، مثل الحديث عن سلطة زمنية مقابل سلطة دينية، قانون ديني مقابل قانون مدني، وأعياد دينية مقابل أعياد مدنية[4].

 في المجال التداول العربي -الإسلامي يتميز مفهوم الدين بتعدد مظاهره وأبعاده، لارتباطه العضوي بالإسلام عقيدة وشريعة وحضارة، مما حدا بالعالم التونسي صاحب التفسير القرآني المشهور ” التحرير والتنوير” محمد الطاهر بن عاشور (1926 -1972) إلى تحديد تسعة مظاهر وتجليات لدين الإسلام في معرض تفسيره للآيـــــة الكريمة { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام }[5] من أبرزها: المظهر العقدي (التوحيد) والتعبدي (العبادات) والتشريعي (القوانين)، والأخلاقي ثم المظهر المعرفي والفكري ثم المعاملاتي[6].

وفي نفس التوجه النظري التفسيري للدين في سياقه الحضاري المرتبط بالإسلام، والذي بمقتضاه لا يمكن حصر الدين في العلاقة الروحية فقط بين الإنسان والله تعالى، بل يستحضر باعتباره مفهوما متعدد الأبعاد، يشمل في توجيهه وإرشاده المستوحى من الوحي القرآني والهدي النبوي جميع الارتباطات البشرية، سواء منها في مجال العبادات أو المعاملات وفي جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، طرح المفكر الجزائري المختص في الإسلاميات محمد أركون (1928-2010) عدة تعبيرات وتجليات لدين الإسلام. يمكن إجمالها فيما يلي:

–               التعبيرات الرسمية: والتي تتجلى في النصوص الدستورية، مواثيق وطنية وخطب النخب الحاكمة، أدبيات المؤتمرات الإسلامية.

–               التعبيرات التربوية: التعليم الديني أو الأصيل، لغات ومناهج تربوية، تنشئة الأطفال… إلخ

–               التعبيرات القانونية: في مدونات الأحوال الشخصية والمدونات الجنائية …

–               التعبيرات الثقافية: كالأعمال الجامعية، التعليم العالي…إلخ

–               التعبيرات الأدبية: في الروايات، المسرح، السينما، الشعر… إلخ.

–               التعبيرات الفنية: البارزة في الموسيقى الروحية، المعمار الديني والنقوش الممجدة للإسلام ورموزه.

–               التعبيرات الإيكولوجية: المرتبطة بقيم الإسلام في التعامل مع الأرض وطرق استثمار الموارد الطبيعية… إلخ.

–               التعبيرات السميولوجية: العادات والتقاليد… إلخ

–               التعبيرات الطقوسية: الصلاة، الحج، الأعياد الدينية… إلخ[7].

فبالنسبة لعلم الاجتماع الديني في سياقه التأسيسي الغربي الناشئ في ظل مبادئ اللائيكية والعقلانية الوضعية والنسبية في الرؤية الفلسفية للكون، فيحضر “الدين” في مختلف مدارسه ونظرياته، باعتباره ظاهرة ذات أبعاد وظيفية ومادية في المجتمعات، وبناءا على هذا التأسيس المنهجي والمقترب الوظيفي لظاهرة ” الدين” يتم تحديد تعريفات متعددة للمفهوم بحسب التوجهات النظرية والإيديولوجية لواضعيها[8] ثم لتعدد الأديان موضوع التعريف والدراسة، إذ من المعلوم أن خريطة الأديان في العالم ماضيا وحاضرا متنوعة على حد لا يتصور، فمنها السماوية المعروفة: الإسلام، المسيحية واليهودية، ومنها الوضعية كالكونفوشوسية والهندوسية والبوذية…

فضمن مقاربة أنثربولوجية محضة يعرف الأمريكي كليفورد غيرتز(1926-2006) رائد المدرسة التأويلية والرمزية في الأنثروبولوجية المعاصرة، “الدين” بكونه “نسق من الرموز يثير لدى الناس حوافز قوية وعميقة ومستمرة من خلال صوغ مفاهيم حول الوجود وإعطائها مظهرا واقعيا، لتبرز هذه الحوافز وكأنها حقيقية”[9].

 فالدين لدى كليفورد غيرتز لا يحضر باعتباره جزءا من الثقافة أو مجرد غيبيات وأخلاقيات بل إنه يُعرّف كروح للجماعة ولرؤيتها للعالم، باعتباره نسقا مستقلا من الرمزيات الثقافية تعطي معنى للحياة لدى مجتمع ما، ففي كتابه “تأويل الثقافات” اعتبر الدين بمثابة ” روح الجماعة لدى شعب من الشعوب، التي هي الجو العام والخاصية التي تطبع حياة الناس في ذلك الشعب، وهي أسلوب هذا الشعب فيما يتعلق بالأخلاق والذوق الجمالي والمزاج العام، بل هي موقفهم الأساس تجاه أنفسهم واتجاه العالم، كما ينعكس ذلك في الحياة، أما نظرتهم للعالم: فهي الصورة التي تتكون لديهم عن الأشياء كما هي في الواقع المحض، هي مفهومهم عن الطبيعة، عن الذات، عن المجتمع. وهي تحوي أكثر ما لديهم من الأفكار شمولا عن النظام (النظام هنا بمعناه الوجودي)[10].

 ولا شك، فإن هذا التعريف المتوازن الذي حاول الغوص في جوهر ومعنى الدين لدى كليفورد غيرتز، يرجع في نظري إلى تأثره بدراسته الميدانية حول الإسلام في كل من المغرب بين سنتي 1963 و1971 وإندونيسيا سنة 1951، وقد نشرت أعماله الميدانية هاته في كتابه” ملاحظة الإسلام: التطورات الدينية في المغرب” 1968. وقد شكل هذا الكتاب نقلة نوعية في دراسات علم الإناسة أي الأنثروبولوجية للدين الإسلامي، وذلك بتجاوزه للتراث النظري الاستشراقي الموغل في الأستاذية والنزعة التصنيفية المتمركزة على زعم التفوق الحضاري الغربي-المسيحي، إلى رحاب التواضع المعرفي الدارس للإسلام الممارس والملاحظ.

ومن نفس المنطلقات الفكرية والفلسفية عرف عالم الاجتماع الديني الأمريكي جون مليتون ينجر ( 1916- 2011) الدين بأنه “نسق من المعتقدات والممارسات يخول بواسطتها لمجموعة من الناس مواجهة المشاكل الأساسية للحياة الإنسانية”[11].

 بينما وضع كلّ من “كلود بوفاي” و”رولان ج . كاميثش” تعريفا للدين يجمع بين عنصري الماهية والوظيفة، فالدين بحسبهما “مجموعة من المعتقدات والممارسات المنظمة إلى حد ما، ترتبط بحقيقة ارتقائية تفوق التجربة، تمارس في مجتمع معين وظيفة أو أكثر مثل: الدمج، التعرّف، تفسير التجربة الجماعية، الإجابة على الطابع غير الواثق بنيويا في الحياة الفردية والاجتماعية”[12].

وبناء على هاته التعريفات المؤسسة إيديولوجيا على تراكمات علم الاجتماع الديني كما برزت في أعمال “إميل دور كهايم[13] و”ماكس فيبر”[14] “وأليكس دي توكفيل”[15] و”روجيه باستيد” و”برونسيلاف مالينوفسكي” وغيرهم، فإننا نلحظ أن الدين يحضر في تصوراتهم وفق رؤية فلسفية مشتركة تعتبره كفعل مجتمعي له أبعاد رمزية وتطمينية للمِؤمنين، وهي خلاصة عبر عنها   بلغة أكاديمية مباشرة عالم الاجتماع والاقتصادي الألماني الشهير ماكس فيبر (1864، 1920) في تعريفه للدين، باعتباره ” طريقة تصرف في المجتمع لتحقيق السعادة”[16].

 وعلى نفس المنوال صاغ الباحث الفرنسي جون بول ويليام تعريفه للدين فاعتبره بمثابة “نشاط اجتماعي منتظم يتضمن علاقة مع سلطة ذات عمق وتأثير شعبي[17]. إذ يعتقد هذا الباحث أن النشاط الاجتماعي للدين يرتبط بالتواصل الرمزي المنتظم عبر الشعائر والمعتقدات، وهو من صميم بنية أي ديانة، فالدين وفق هذا المنظور يبرز من خلال جهاز طقسي رمزي بلغة السوسيولوجية الدينية، يجمع بشكل منظم فاعلين يرتبطون بعلاقات متعددة، بينما تتأسس سلطته الجاذبة مجتمعيا على طابعه المؤسساتي والزعامة الروحية القائدة له، وعلى الامتدادات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتفرغة عنه[18].

2 – النخبة الدينية، الماهية والوظيفة.

يعتبر موضوع النخبة الدينية من أهم محاور التقاطع المعرفي بين علمي الاجتماع السياسي والديني، على الرغم من الاختلاف المنهجي في الدراسة والتحليل والتفسير بينهما على مستوى التعامل مع الظاهرة النخبوية في النسق السياسي والديني للمجتمعات، فعلم الاجتماع السياسي يرصد موضوع النخبة الدينية كمحور للاشتغال العلمي من زاوية مساهمتها في الفعل السياسي أو عندما تتحول إلى جزء من النخبة السياسية[19] بسلوكها ومواقفها في الحقل السياسي، بينما تشكل النخبة الدينية أهم المجالات المنهجية والبحثية في علم الاجتماع الديني، وبالأخص في محاولته لتفسير ماهيتها ومكوناتها ووظائفها وآليات ضبطها الديني والتنظيمي للمجتمع [20].

 ففي هذا الصدد تعمل النخبة الدينية في جميع المجتمعات الإنسانية على ممارسة نوع من الرقابة المعنوية والأخلاقية على المؤمنين وسائر الناس، والتي من خلالها تضمن الحد الأساسي من الانضباط الجماعي لتعاليم الدين ولمقومات العيش المشترك وفق تعاليمه، وتترجم هذه الرقابة الناعمة من خلال أساليب الوعظ والتذكير بالترغيب والترهيب وبالتنظيم العملي للعبادات والمواسم، وبالتحلي بالقدوة الأخلاقية التي تبقى في الأخير هي قطب رحى الزعامة الدينية في المجتمع.

فبحسب أدبيات علم الاجتماع الديني ترتبط نشأة النخبة الدينية في المجتمعات الإنسانية بمبدأ نشر الدين – أي دين – ودعوة الناس إلى الانضباط لعقائده والالتزام “بطقوسه” وشعائره وقيمه، وذلك باستعمال وسائل الإقناع المتعددة: الدعوة والتعليم والتنظيم والعمل الخيري والإغاثة، وكذا من خلال التعليم الديني والتنشئة الروحية للأتباع والأنصار، لضمان استمرارية الدين وتأثيره في المجتمع، لكي تصير معتقداته وممارساته وقيمه إطارا مرجعيا في جملة العوامل الاجتماعية والحضارية المؤسسة للبناء الاجتماعي (Social Structure)[21] .

ومن بين أهم وظائف النخبة الدينية وفق نظريات علم الاجتماع الديني، نجد عملها الرئيس في ترشيد وعقلنة النشاط الديني في المجتمع[22]، وذلك من خلال الصياغة المنهجية للعقائد الإيمانية المحصِنة للذات الدينية الجماعية ومحاولة تفكيك ودحض الشبهات المشككة لها، سواء من المختلف معها في التمذهب” اللاهوتي” أو الطائفي من داخل نفس الدين، أو من العقائد الدينية الأخرى المنافسة أو من الأطروحات الإلحادية واللادينية.

كما تشرف النخبة الدينية على تنظيم “الطقوس الدينية” وضمان تجدد مواعيدها، ودوام ممارستها، ومن ثم يقوم رجال الدين كما هو الاصطلاح في التجربة المسيحية (أي القساوسة أو الكهان) أو الحاخامات في الدين اليهودي، أو من يقوم مقامهم في الأديان الأخرى، على إنتاج المعرفة الدينية لتسهيل إدراك “المقدس” لدى عموم المؤمنين بواسطة آليات التأويل (الهرمونطيقا) والتفسير، وبمقتضى هذه الوظائف “اللاهوتية” تحتفظ النخبة الدينية بالمكانة المتميزة في معظم المجتمعات الإنسانية حتى اللائيكية منها، خاصة على مستوى التوجيه الروحي والعقدي والمجتمعي. [23] ونستحضر في هذا السياق الدور التوجيهي الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان بقيادة البابا الراحل بندي كيت السادس عشر في معارضة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وفق حجة دينية تقوم على اعتبار الاتحاد الأوربي نادي للدول المسيحية.

أما في السياق الحضاري العربي والإسلامي، فلا يمكن منهجيا ومعرفيا وسم النخبة الدينية الإسلامية بصفة رجال الدين، فالنصوص التأسيسية الإسلامية القرآنية والحديثية أناطت بكل فرد راشد في المجتمع الإسلامي أن يكون ذا إلمام بالمعلوم من الدين بالضرورة سواء على صعيد العقائد الإيمانية والعبادات، وأن يكون قادرا على فهم أحكام الشريعة المرتبطة بأساسيات الحلال والحرام في مساره الفردي والجماعي، كما يُكلف المسلم في النظام الاجتماعي الإسلامي بحفظ ما تيسر له من القرآن الكريم وتعاليم الإسلام وضبط قواعده الأساسية ليحوز على أهلية إمامة المسلمين في الصلاة إذا اقتضى الأمر، لذا لا يمكن الحديث في السياق الإسلامي عن طبقة لرجال الدين مكلفين حصريا بتنظيم شعائر الدين للمسلمين، أو ادعاء تمثيلهم الروحي أو احتكار الحديث باسمهم دينيا بشكل إلزامي و وصائي، كما هو الحال في النظام اللاهوتي في التجربة المسيحية واليهودية.

ففي النظام الاجتماعي الإسلامي يقصد بالنخبة الدينية: “تلك الفئات من المجتمع التي تمارس كل في نطاق تخصصه وظيفة دينية أو أكثر، سواء كانت تعليمية وتفسيرية لنصوص الوحي أو روحية سلوكية ترتبط بالتربية والتخليق أو تمارس النشاط الديني ارتباطا بالنسب النبوي كالشرفاء، أو تستند في ممارستها للسلطة السياسية أو العمل السياسي بشكل عام على الدين.،كما تشمل من يتولى اجتراح المعرفة الدينية وتعلمها. ومن ثم فالنخبة الدينية الإسلامية يندرج في سلكها كل من يمارس الفعل الديني على تعدد أوجهه التربوي، التعليمي والفكري، الدعوي والسياسي للتأثير في المجتمع أو الدولة أو هما معا.

ومن ثمة تتألف النخبة الدينية في التجربة العربية والإسلامية بشكل عام: من ذوي الخبرة التربوية والسند الروحي من شيوخ التربية والصلحاء في المدرسة الصوفية وغيرها..، ومن العلماء والفقهاء المهتمين أساسا بشرح نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وتدريس العلوم الشرعية وتولي أمر الإفتاء لعموم الناس، كما تضم المؤسسات الدينية الرسمية وقادة الجماعات الإسلامية بمختلف أطيافها الدعوية والحركية، وكذا المثقفين الدينيين المعاصرين المهتمين بقضايا الفكر الإسلامي وكذا وطلبة العلوم الإسلامية وبالأخص المنتظمين في مدارج المعاهد الشرعية التقليدية.

وتتبوأ النخبة الدينية الإسلامية على اختلاف وظائفها وأنشطتها مكانة متميزة ومركزية في الوجدان العام للمجتمعات العربية والمسلمة، ويزداد منسوب تأثيرها الرمزي والسياسي في الحقلين الديني والسياسي بقدر ما تتوفر عليه من استقلالية عن السلطات الحاكمة، وبمدى معانقتها للقضايا الكبرى للشعوب المتمثلة في الوحدة والتنمية والديمقراطية، وبصدق تمثلها للكاريزما الأخلاقية والتقوى والكفاءة العلمية، الداعية للاجتهاد في التنظير والتنزيل المقاصدي لتعاليم الإسلام على المستجدات والمتغيرات المعاصرة.

و من ثم، تصبح النخبة الدينية بمقتضى منزلتها الاستراتيجية والهامة في المجتمع المسلم، -بتعبير المفكر التونسي عبد اللطيف الهرماسي-بمثابة السلطة المخولة اجتماعيا للسهر على إقامة شعائر الدين وتعليمه، والمكلفة كذلك بجملة من الوظائف تتجسد فيما يلي:

–           الوظيفة الروحية والعبادية من خلال ترسيخ الإيمان وتعاليم الدين، والسهر على القيام بفرائضه واجتناب نواهيه.

–           وظيفة التعليم والإرشاد والإنتاج في مختلف مجالات المعرفة الدينية.

–           الوظيفة التشريعية المتمثلة في الاجتهاد وفي استنباط الأحكام التي يحتاجها المجتمع وأفراده في حقل العبادات والمعاملات.

–           وظيفة الاحتساب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومراقبة الأخلاق العامة.

–           وظيفة نصح الحكام وتقديم المشورة.[24]

ويختلف تأثير النخبة الدينية في التجربة الإسلامية والعربية، ومركزها القانوني والسياسي باختلاف الأنظمة السياسية وعلاقتها بالمشروعية الدينية. إذ نجد لها حضورا كبيرا في هرمية الدولة وفي صوغ القرار السياسي في التجربة السياسية الإيرانية والسعودية، أو تشهد تغيرا جذريا في مركزها السياسي والمجتمعي بفعل تأثير ثورات الربيع العربي كما حصل في مصر وتونس وليبيا واليمن وبالأخص في البدايات الأولى لسقوط رموز الأنظمة الاستبدادية. أو تعرف تحولات اجتماعية وسياسية وقانونية في علاقتها بالدولة والمجتمع كما حال نموذج النخبة الدينية في المغرب الراهن.

وفي المحصلة، لا تدعي هذه الدراسة الإحاطة التفصيلية بكل مدارس ونظريات واتجاهات علم الاجتماع الديني في تعريفها لمفهومي الدين والنخبة الدينية، بل حسبها أنها تتوخى التمهيد لمدخل عام لدراسة المفهومين على منوال المسح الهندسي في المجال الطبوغرافي، فهما يشكلان معا قطعة مهمة من الحقل المعرفي الشاسع لعلم الاجتماع الديني، القمين بالجامعة المغربية وعموم الباحثين أن يهتموا به سقيا وحرثا وتشذيبا لتسهيل قطف ثماره المهمة في أرض البحث العلمي وفي فضاء مجتمع العلم والمعرفة.

الهوامش:

[1]-  J. Paul. William, sociologie de religion. PUF. Paris.1995.p :114.
[2] – أبو الفضل جمال الدين محمد ابن منظور، لسان العرب، المجلد 13. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 1990 ص ص  169 – 170.
[3] – انظر البرنامج المعلوماتي على شبكة الإنترنيت: أرقام وإحصاءات قرآنية في القرآن الكريم انظر: www.e-quran.com
[4] –  Encyclopédie Universalis,T19. Article “religion”. France s.a 1996 .p : 755
[5] – سورة آل عمران الآية: 19.
[6] – محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير. ج 3. دار سحنون للنشر والتوزيع تونس، 1997 ص ص 188-196.
[7] –  Encyclopédie universalis.T12, les expressions de l’islam op .cit .p : 677.
[8] – وصف إ. لامبيت تعدد تعريفات الدين ببرج بابل لكثرتها وتنوعها انظر:

Lambet (y).la « Tour du Babel » des définitions de la religion .revue social compas. n : 38 (1).1991 p p : 73-85
[9] – Geertz Clifford، Religion as cultural system. In the interpretation of cultures. Selected Essays. Fontana press London 1993.p :90
[10] – كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات ،ترجمة محمد بدوي مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت،  2009، ص 101
[11] – Yinger. J .Milton. The scientific study of religion. New York. Mac Millan, 1970 p :7
[12] –  J.Paul.William, sociologie de la religion, op.cit p: 181
[13]-  Emile Durkheim[1889], les forces élémentaires de la vie religieuse .PUF.Paris.1968
[14] في مؤلفه الشهير الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية رفض ماكس فيبر تصنيف الدين في دائرة اللامعقول، وتعامل معه بالنسبية العلمية المطلوبة في تحليله كظاهرة قيد الدراسة. وللمزيد من التعمق في الفكر السوسيولوجي لماكس فيبر حول الدين، انظر إكرام مسيرة مدني، سوسيولوجيا ماكس فيبر، المنهجية، السياسة والدين. أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. مراكش. السنة الجامعية 2008 – 2009.
[15] – رغم أن دي توكفيل لم ينتج عملا محددا حول الدين، فإنه يعد من رواد علم الاجتماع الديني. ففي كتابه الشهير (المنشور في جزئين سنة1804) حول الديمقراطية في أمريكا، عمل على التقعيد النظري لعلاقة الدين بالديمقراطية ولدوره الحيوي في استمرار المؤسسات الاجتماعية والسياسية انظر:

Alex de tocquerille.de la démocratie en Amérique. Ed. Flammarion Paris.1981
[16] –  Max weber، économie et société، Ed. Plon. Paris.1971.p :429
[17] – J. Paul. William, sociologie de la religion, op.cit.p :185
[18]  – Ibid. ,pp :186-189

وللمزيد من التعمق والدراسة حول مفهوم الدين وللنظريات المرتبطة به في علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا. راجع: عبد الباقي الهرماسي وآخرون، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية بتعاون مع الجمعية العربية لعلم الاجتماع، الطبعة الثانية، بيروت 2000.

[19] – ابراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي، مرجع سبق ذكره. ص  147.
[20]  –  انظر، عبد الباقي الهرماسي، علم الاجتماع الديني، والمجال – المكاسب- التساؤلات. ضمن الكتاب الجماعي، الدين في المجتمع العربي مرجع سبق ذكره ص  17.
[21]  – Max Weber, Economie et Société, op.cit p. : 473
[22] – احسان محمد الحسن، علم الاجتماع الديني، دراسة تحليلية حول العلاقة المتفاعلة بين المؤسسة الدينية والمجتمع. دار وائل للنشر. الطبعة الأولى 2005 ص 30.
[23] –  ورد هذا التوجيه في خطاب البابا يوم 20 أبريل 2005 في كنيسة سيستين ، انظر نص الخطاب في الموقع الرسمي لكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان في نسخته العربية: Vatican. va.www
[24] – عبد اللطيف الهرماسي، المؤسسة الدينية في الإسلام موضوعا للدراسة بين التمركز على الذات وأسر النموذج الغربي، مجلة التسامح، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بسلطنة عمان. العدد 17 شتاء 1423هـ / 2007 م . ص  123.

تعليقات