شحيح نحيح

د. محمد محمود بن أحمد محجوب: خبير لغوي موريتاني بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية


مِن لطائفِ السُّلوكِ الاجتماعيِّ الذي عَكَسَتْهُ اللّغةُ ارْتباطُ الجُودِ بالاهتزاز، واقترانُ البخلِ بالتنحنح.

* * *

الاهتزازُ- في الأصلِ -: مُجَرَّدُ حركةٍ، لكنه في مقامٍ كهذا: نوعٌ مِن الحركةِ مُنبِئ عن السُّرورِ والفرحِ والخِفَّةِ نحوَ فِعْلِ الخيرِ. فالكريمُ يَهْتزُّ لِلنَّدى، أيْ: تأخذُه أرْيحيةٌ ونشْوَة، يُتَرْجِمُها بذلًا وعَطاءً. ومِن ذلك قولُ الشاعر:
تَرَيْنِي، غَدَاةَ البَذْلِ، أَهْتَزُّ_لِلنَّدَى * كَمَا جَرَّدَ السَّيْفَ اليَمَانِيَّ صَيْقَلُ

* * *

والتَّنَحْنُحُ – في الأصل – تَرديدُ صوتٍ كالسُّعالِ في الحنجرَةِ والجَوفِ دفعًا لعِلّةٍ، أو اسْتِرْوَاحًا، لكنه خَرَجَ، في الأعرافِ الاجتماعية، مِن وظيفتهِ تلكَ إلى وظيفةٍ جديدةٍ قَوامُها: التَّستُّرُ على البُخْلِ بِادِّعاء الاعْتِلال حتى قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في (العين): النَّحْنَحَةُ: علّةُ البخيل!

فالبخيلُ يلجأُ – عِوَضَ التَّفاعُلِ الإيجابيِّ معَ المَواقفِ التي تَقْتَضي الجُودَ والتَّضحيةَ – إلى سلوكِ التَّنحنحِ؛ ليُعطيَ انطباعًا بأنَّ الموقفَ صادفَ لحظةَ اعتلالٍ عندَه! وهوَ، في الواقعِ، إنَّما يَسْعى إلى التَّغطيةِ على عجْزِهِ عنِ السلوك السَّوِيِّ.
ومع تجذُّر هذا السلوك لدى البخلاء شاعَ عند العربِ وصْفُ البَخيل بأنَّه: “شَحيح نحيح”. فَـ”ـكأنّه إِذا سُئل اعتَلّ؛ كَراهَةً للعطاءِ، فردَّدَ نَفَسَه لذلك”. (معجم تاج العروس). قال الراجز:
يَكادُ، مِن نَحْنَحةٍ وأحِّ، * يَحْكي سُعالَ الشَّرِقِ الأَبَحِّ

* * *

(ومن مظاهر تجلّي هذا السلوك في ثقافتنا المحلية قول القائل:
“گالُو لُ: شَوْرَكْ كَذَا مِنَ الدِّيَّه، گامْ إِمَحْمَحْ!”).

تعليقات