رمَضانُ: مَلامِحُ التَّسْمِيَةِ وغاياتُ المُسَمَّى

د. محمد محمود بن أحمد محجوب: خبير لغوي موريتاني بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية

1—-

كانتِ الشُّهورُ العربيّةُ، في العهودِ السَّحيقةِ، قبلَ الإسلامِ، شَمْسِيَّةً، وأسماؤُها مُخْتلفةً عمَّا هو مَعْهُودٌ لَدَيْنا اليومَ. وكان اسمُ رَمَضانُ فيها، يَوْمَئذٍ: نَاتِقًا!
وحِينَ نَقَلَ العَربُ الشُّهورَ مِن شَمْسيَّةٍ إلى قَمَريَّةٍ “سَمَّوْهَا بالأزْمِنَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا: “فوافقَ رمضانُ أيَّامَ رَمَضِ الحَرِّ ” أيْ: شِدَّتِه، فسُمِّيَ (رمضانَ). [ملمح التسمية هنا بيئيٌّ].

2—-

ويَحْفَظُ لنا التَّاريخُ أنَّ العربَ كانوا يُسابقونَ الزَّمَنَ في رمَضانَ، فيَرْمُضُونَ فيه أَسْلِحَتَهُمْ أيْ: يَشْحَذونها؛ لِيُحَارِبُوا بِهَا فِي شَوَّالٍ، قَبْلَ دُخُولِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ. فمِنَ المحتمَل- حَسبَ بعض اللُّغويِّين – أن يكونَ رمَضانُ استمدَّ تسميتَه مِن رمْضِ السِّلاحِ أيْ: تَرْقِيقِه وشحْذه [ملمح عسكري].

3—-

ولمَّا جاءَ الإسلامُ أَدْمَجَ المُهتمُّونَ بالتّسميةِ [#الملمَحَ_الدِّينيَّ] فيها، مُراعِين المنبِتَ اللُّغويَّ وَخُصوصيَّةَ الصَّوْمِ، وما يَنبَني عليهِ معنويًّا وماديًّا:
فالشَّهْرُ الكريمُ، عندَ هؤلاءِ إنَّما دُعِيَ رمَضانَ:
– إمَّا لأنَّه تَشتدُّ بسببه حرارةُ جوفِ الصَّائمِ من شِدَّةِ العطشِ!
– إمَّا لأنَّه يَرْمِضُ الذُّنُوبَ أَيْ يَحْرِقُهَا.
– و…

4—-

والنَّاظرُ، بعيْنِ التَّأمل، إلى تلك الملامحِ، يَجِدُ أنَّها تَتَّسِقُ معَ الغاياتِ السَّاميةِ من صومِ الشَهرِ الفضيلِ، إمّا على جهة التَّوافقِ، وإمّا على جهة التّقابُلِ:

أ) فالْمَلْمَحُ البيئيُّ (المتَّصلُ بشدَّةِ الحرِّ):
يَدْفَعُ باتِّجاه التَّفاعل الإيجابيّ بين الصَّائمينَ في رمَضانَ.
فمَنْ وُهِبَ ظِلًّا ظَليلًا، ومُنِحَ بَسْطَةً في الرِّزقِ حَرِيٌّ به ألَّا يَنسى أولئكَ الذينَ يَرْتَمِضُونَ فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنْ: حَرِّ الجُوعِ، ونهْشِ المرضِ، ومُصارعةِ الفقرِ، وتهميش المجتمعِ.

ب) والْمَلْمَحُ العسكريُّ:
– يُمكنُ أنْ يُلْحَظَ أَثَرُهُ تَقَابُلِيًّا، بأَنْ يُصَارَ فيهِ إلى عكسِ ما كان؛ أخْذًا في الاعتبارِ أنَّ رمَضانَ شهرُ “رحمةٍ” و”سَلامٍ”، لا شهرُ عَداواتٍ وشنُّ حروبٍ وغاراتٍ.
– ويُمكنُ أن يُوظَّفَ توظيفًا رمزيًّا بشَحْذِ سِلاحِ عُلُوِّ الهِمَّةِ وتَرْوِيضِ النَّفْسِ ضِدَّ أعداءٍ “يُلازِمونُ” الذَّاتَ، ويشلُّونَ قدرتَها- أوْ يستنزِفون مجهودَها-: كاسْتِمْرَاءِ النَّوْمِ، وإدْمانِ التَّسويفِ، وهَدْرِ الوقتِ والطَّاقةِ، والنَّيْلِ مِنَ الأعراضِ، ونحوِها.

ج) والْمَلْمَحُ الثّالثُ:
يَتقاطعُ معَ الملمَحيْن السَّابقيْنِ، ويَتجاوزُهما استثمارًا لِمَوْسِمِ عبادةٍ تَتَطَلَّعُ فيه الرُّوحُ إلى التَّعرُّضِ لنَفَحاتِ ربِّها، مُحاوِلَةً التَّخَفُّفَ مِن أَسْرِ جَسَدٍ طالَما اثَّاقَلَ بها إلى الأرضِ كُلَّمَا حاوَلَتِ الصُّعودَ تَحَرُّرًا وتَسامِيًا.

5—-

ولئنْ كانتِ الغاياتُ التَّربويَّةُ والأخلاقيَّةُ، لرمَضانَ، تنسجمُ معَ ملامحِ تسميتهِ فإنَّ البَوْنَ الذي يحصُلُ، عادةً، بينَ ما ينبغِي أنْ يكونَ وما هو كائنٌ يُغْرِي بإثارةِ السُّؤالينِ الآتيينِ:
هلْ يَعْكِسُ سُلوكُ الأمَّةِ بعضِها تجاهَ بعضٍ، في رمَضانَ، الغايةَ من صَوْمِهِ؟
هلْ تُمثِّلُ الموائدُ الرَّمَضانيَّةُ المعاصرةُ سرَّ رمضانَ وروحَه؟
الجواب – كالعادةِ – متروكٌ للقارئِ الكَريم.

تعليقات