حوار مع الدكتور امحمد جبرون حول بعض تقديراته الفكرية

عبد الهادي المهادي: باحث (المغرب)

نص المداخلة التي شاركتُ بها في الندوة الفكرية التي نظمها “صالون وعي الثقافي”، يوم الجمعة 12 أبريل 2019 بمناسبة صدور كتاب الدكتور امحمد جبرون الموسوم بـ “في هدي القرآن في السياسة والحكم ” 

1

    كثيرة هي المرات التي جالست فيها مقالات الأستاذ جبرون وكتاباته أو قابلته فيها مستمعا لمحاضراته ومداخلاته، وكنت في كل مرة أحس بأن الرجل اختار طريقا: رؤية ومنهجا، وهو سائر قدما يستكشف مدخلاتها ومخرجاتها عاقدا العزم على أن يكون من روادها، إن لم يكن رائدها، ألا ترى أنه لا يتردد في وسم مستخرجاته وتقديراته بأنها جديدة، لا بل وتجديدية. فهل سيسلم له معاصروه ـ ببساطة ـ بهذه الدعوى العريضة؟ محال… فصديقنا جبرون الآن في عين العاصفة.

   قرأت له إذن، واستمعت إليه، واستمتعت في كل مرة بلغته، وهدوئه، وطريقة عرضه، وكيفية بنائه لحجاجه وحججه، وكذا بسعة صدره للمخالفين لقراءاته والمعترضين على تأويلاته، تماما كما سيفعل معي الليلة ! ولكنها المرة الأولى التي أجلس بجانبه قارئا وناقدا لبعضٍ من إنتاجاته، فلا أظنني أفوت هذه الفرصة دون أن أسائله، بل وأشاغب عليه ليس كمتلق، بل من موقع من يشاركه “سلطة”، وأقصد “سلطة المنصة”.

   اخترت في مداخلتي هاته أن أتقاسم مع كاتبنا جملة من الملاحظات، التي تدخل ـ كلها ـ في باب التقديرات الشخصية، واخترت أيضا أن أسائله حول قضايا لم أفهما أو لم أتفهمها، وعليه أن يتجمل بالصبر، فقديما قالوا: “من ألَّفَ فقد استُهدف”.

2

    يعتبر الأستاذ جبرون نموذجا عصريا حقيقيا للعلاقة الملتبسة، بل والمتأزمة بين “المثقف” و”الحزب”، فهو ـ شخصيا ـ سيعاني، وربما لأمد طويل من مشكلة كبرى، وإن فعل كل ما باستطاعته من قطائع وتوسيع الفجوات، ذلك أنه تربى، ومنذ أن كان تلميذا، داخل مدرسة فكرية وتربوية ودعوية إسلامية كانت تمتح ومازالت في أصول تصوراتها السياسية مما يسمى في تراثنا بالآداب السلطانية وكذا من مدونات السياسة الشرعية، لكن قراءاتِه المتنوعةَ بعقلية أكثر تفتحا جعلته يعمل على بناء تقديراته الفكرية والسياسية الخاصة، والتي قادته في كثير من الأحيان إلى التعارض مع ما تربى عليه ومع ما كان يؤمن به سابقا. والذي زاد الأمر سوءا ـ في نظر البعض ـ علاقاته الأكاديمية مع بعض المؤسسات البحثية المثيرة للجدل، على الأقل من وجهة نظر الإسلاميين. كل هذا جر عليه انتقادات كثيرة من أصدقائه القدامى، واحتفاء من بعض خصماء التيار الإسلامي، لأن هؤلاء الأخيرين اعتبروا مقولاتِه انتصارا لمنهجهم ومنهجيتهم في قراءة وتأويل ما سماه هو بالقرآن السياسي، والأجمل عندهم أن ذلك تم من داخل الصف الإسلامي. ورغم أنه قدم استقالته التنظيمية وكذا الفكرية من مدرسته السابقة إلا أن الوشم مازال بارزا على وجهه وشخصيته وبعض من كتاباته، ويصعب محوه بسهولة.

3

    وهذا الأمر يجرنا لإثارة السؤال الأزلي والسرمدي: لماذا عندما يبلغ المثقف الدرجة الساخنة من الوعي يجد نفسه في خصومة مع الحزب واختياراته؟ هل من اللازم أن يستقيل المثقف من الحزب حتى تكون له رؤيته وبصمته المستقلة؟

    نطرح هذا التساؤل لأني أعتقد أن تقديرات المثقف ـ بغض النظر عن موقفنا منها ـ تحتاج إلى وقت ـ وربما يطول ـ حتى تفرض أولا احتراما وتقديرا، ولكنها تحتاج قبل ذلك وأثناءه إلى تيار سياسي يتبناها ويدافع عنها، وإلا فستبقى في طروسها يشاغب عليها حتى أقرب الناس إليه صداقة وفكرا، (تماما كما يحدث الآن لصديقنا جبرون). وفي أحسن الأحوال ستبقى أفكارا مجردة تُناقش فقط في مجاميع ثقافية وأكاديمية، وهذا ما لا يريده لها أصحابها، خاصة وأن مشروعا مثل الذي نناقشه الآن ينطلق ـ كما نفهم من العنوان بداية ـ من وعي تغييري، وليس شاغل تفسيري فقط؟ وفي هذا الإطار، تبدو المقارنة بين مشروعي كل من الجابري وطه عبد الرحمن كافية لأخذ العبرة. فالأول كانت خلفه “قبيلة” أيديولوجية عملت بوسائل شتى على نشر مشروعه والتمكين له في أوساط علمية وأكاديمية شاسعة، على عكس مشروع طه، الذي بقي انتشاره محدودا لأن “قبيلته” سكونية، بالإضافة إلى إغراقه الشديد في التركيب، وهوسه الكاسح في أن يكون متفردا ينسج على غير منوال في كل شيء، كل شيء.

4

   ولأن لكل مفكر انتماءً جمعيا فإنه يحاول أن يُسْلِكَ أطروحاته في سلسلة المشاريع الفكرية التي سبقته، فيستوعب تراكماتها، ويتجاوز مطبّاتها، ليُقنع قارئيه بأنه يبني داخل نسق واسع، بهدف تجاوز ما بالأمة من أعطاب. وهذا بالضبط ما فعله أستاذُنا جبرون، فهو بشكل أو بآخر كان يجيب عن السؤال القديم الجديد: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وقد اعترف ـ شأن الكثيرين ـ بأن تلك المشاريع كان مآلها الفشل بدرجات متفاوتة.

   فلماذا ـ يا ترى ـ فشلت كل تلك الأعمال الفكرية، والتي عمل كل منشئوها، كل وخلفيته السياسية والإيديولوجية، على إعادة النظر في العلاقة التي ينبغي أن تربط بين النص الديني والواقع السياسي؟ لماذا بقيت كل النتائج التي انتهت إليها، وكل التسويات التي اقترحتها محدودة الأثر؟ هل فعلا لأن بعضها استعاد الدلالات التقليدية في صياغات عصرية ولم ينفذ إلى عمق الإشكالية، كما فعل محمد خلف الله ولؤي صافي؟ أم لأن بعضها ضيّق من الدلالة الأخلاقية واجتهد في إخراج عدد من مظاهر السياسة من نفوذ الأخلاق الدينية، وأدخلها تحت سلطان العقل المجرد، كما فعل الجابري وأبو زيد؟ أم لأن البعض الثالث سعى لإنشاء الدلالات الأخلاقية للسياسة على تأويلات لغوية بعيدة، كما فعل محمود طه والحاج حمد ومحمد شحرور؟

   القارئ للكتاب المحتفى به اليوم يعرف أن صاحبه يستفيد من كل هذا التراكم، ولكنه يسعى ـ كما سبق وأن قلنا ـ إلى تجاوز بعض مآزقها، ليؤسس أطروحته الخاصة المنبنية على كون الدين الإسلامي بطبيعته، وانطلاقا من نصه المرجعي المقدس ـ وهو القرآن ـ يتصل بالمجال السياسي من خلال معانيه وقيمه الكلية العليا. والأطروحة بهذا الاختصار، وبهذه الصياغة مفهومة ومقدرة، بل ومحتفى بها. ولكن الشيطان ـ كما يقول الفرنسيون ـ يكمن في التفاصيل، فإذا انتقلنا إلى أجرأة هذه الفرضية وتفكيكها ـ بالطريقة التي انتهجها كاتبُنا ـ فسيجرُّ عليه ـ لا محالة ـ الغضب من قبل أطياف الإسلاميين: عصريين كانوا أم تقليديين، أفرادا أم جماعات. ومن ثم قد يكون لـ”اجتهاداته” الفشل كسابقيه، لأن لهؤلاء، اليوم وغدا، الصوت العالي والتمكين الشعبي. فهل يمتلك الكاتب بعض الضمانات التي تجعله يطمئن على فاعلية مشروعه هذا؟ طبعا نحن نعي بأن سؤال الضمانات لا يطرح على المشاريع الفكرية إذا كانت ذات شاغل تفسيري فقط، غير أن باحثنا جبرون ينطلق في كتابه هذا من هواجس تغييرية وليس تفسيرية فقط، كما سبق الذكر.

5

    أعجبني كثيرا البناء المنهجي للكتاب، خاصة تلك المقدمة التي وضح فيها الباحث فرضيته ومنهجه ومفاهيمه وكذا خطته للكتاب. وأعجبني أيضا تلك الخلاصات التي كان يصوغها ليس في نهاية كل فصل فقط، بل في نهاية كل عنوان فرعي، مهما كان جزئيا، وكذا تذكيره المتكرر بفرضيته وخلاصاته، والهدف كان هو تسهيل مأمورية القارئ لاستيعاب أفكار الكتاب وطروحاته. وهذا يعني ـ تحليليا ـ أن القارئ شكل للباحث هاجسا حقيقيا أثناء تسويد كتابه. وكأنه توقع ـ بحدس المفكر ـ ردود الفعل الساخطة على بعض مما جاء في كتابه.

6

    في كتابه هذا شجاعة بطعم الجرأة، ومنسوب عال من الإقدام، فيه إعادة النظر في مقولات كثيرة كانت ـ و ما زالت ـ تُعدُّ من الثوابت الأصولية والفقهية، فاعتبرها مجرد مسائل قابلة للنقاش الاجتهادي، بالرغم من وجود نص شرعي فيها، فالأمر عنده ـ في نهاية التحليل ـ يتعلق بنقاش مصلحي عقلاني، وحتى ولو تعارض النص مع المصلحة فالأولوية تعطى للمصلحة.

    ولكنه في إحدى حواراته المطولة دعا إلى قيام حركة إسلامية ذات صبغة مدنية محضة، لا صلة لها بالسياسة بالمعنى الضيق، حركة مستقلة عن كل الأحزاب، تحتفظ بنفس المسافة اتجاه الفاعلين السياسيين ( وهذه كما أرى يوتوبيا حقيقية) ثم دعا ـ وهذا مركز الشاهد عندنا ـ أن يكون دورها متناغما ومتكاملا مع مؤسسة إمارة المؤمنين، دون أن يطرح على هذه المؤسسة أسئلة حارقة، وبمثل تلك الجرأة السابقة، رغم أن مجال اشتغالها يندرج في عين فقه المعاملات السياسية.

فمثلا:

ـ هل هذه دعوة لتعميم تجربة إمارة المؤمنين على كل الأقطار العربية والإسلامية، لأن الحركة الإسلامية التي انتقدها أستاذُنا، ويريد التغيير في أسسها ووظيفتها، موجودة في كل هذا البلاد.؟

ـ هل هذه المؤسسة ينبغي أن تكون منتخبة أم معينة؟

ـ وما هي طبيعة أدوارها ؟ ووظيفتها ؟

ـ وهل يحق لها أن تخلط بين ما هو ديني ودنيوي؟ أم ينبغي أن تكون مدنية محضة؟

ـ وكيف نتعامل مع مقولاتها وتقديراتها؟

ـ وهل تطالها المحاسبة والمساءلة باعتبار المسؤولية المنوطة بها؟

ـ ثم، وبنفس المنطق والمنهج التحليلي: أليس مثل هذه المؤسسات أصبحت من الماضي، على اعتبار أنها نتاج لسياق اجتماعي وسياسي أصبح متجاوزا، و”المصلحة” تقتضي بدائل تجديدية معاصرة.

   بل إن حديثه في هذا الحوار يتناقض في جوهره مع ما كتبته في الصفحة 297 حين قال بأن “التهرب من بناء شرعية الحكم على المعاهدة والحرية والمسؤولية هو سعي فاسد، لا خير ولا مصلحة فيه”.

كيف يصح أن يكون الإنسان ثوريا هنا، تقليديا مغرقا في التقليدانية هناك؟

الإجابة الوحيدة المتاحة الآن، أن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ـ وبنفس الشجاعة ـ مكلف جدا، وثمن الوضوح في تناولها: يمينا أو يسارا، باهض. ولكن، لم نذهب بعيدا، فالأمر مفهوم عندنا، فباحثنا ـ وفي نفس حواره السابق ـ أعلن بوضوح لا مثيل له أنه “ما عاد داعية ولا مناضلا”.

    إنه الوضوح التام…. وأنا أكبر فيه ذلك.

7

    لقد أبان باحثنا عن مقدرة رؤيوية ومنهجية عالية، خاصة أثناء اشتباكه مع قراءات سابقيه وتأويلاتهم، وقد فعل ذلك بطريقة الكبار: لغة وأسلوبا وحجاجا واستدلالا واستخلاصا. وقد حاول أثناء ذلك تقمص دور كل من المؤرخ والفقيه الأصولي، ولو أن الكثير رفعوا في وجهه بطاقة عدم تخصصه في مجال الفقه وأصوله، وعليه ـ في جميع الأحوال ـ أن يستمع بشكل جدي لمثل هذا الغمز، ويعمل في المستقبل على تجاوزه، وإلا فستبقى مقبولية كتاباته من ذات الجنس ضعيفة عند شريحة واسعة من قرائه.

   أما نحن فخوفنا الشديد من أن تكون منطلقاته ـ من حيث لا يشعر ـ مردها إلى صدمة الحداثة ودوختِها، والتي جعلت الكثير من قبله يناقشون العلاقة بين ما اصطلح عليه بـ”الديني والسياسي” من داخل أزمتنا الحضارية الحالية وبشروطها وبمنطقها. فرهان المعاصرة، وهاجس بناء تدين عصري، وشاغل إعادة تشكيل العقل الإسلامي على أسس متصالحة مع المعاصرة والحداثة حاضر بقوة في كل ثنايا الكتاب. دون أن يوضح لنا بالضبط مفهومه للمعاصرة ومقصوده من الحداثة، ومنطلقاتهما وأفقهما. فسؤال: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ في عمقه وخلفيته ليس نفسه سؤال: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

    لقد حمّل ـ في الصفحة 311 ـ  ما سماه “الأطروحات السلفية” المسؤولية الكبرى في التوتر الحاصل بين القرآن الكريم والحداثة السياسية. وهو لا يقصد بالأطروحات السلفية فقط تلك القراءات التي تستقي من الإرث التيمي، وخاصة الوهابي، بل حتى تلك التي ما زال منشئوها متشبثين بالمناهج الأصولية التي أثلها الأسلاف السابقون مثل الإمامين الشافعي والشاطبي.

8

    لم أفهم في الحقيقة تأكيد الباحث بشكل حاسم في خاتمة الفصل الأول، وبالضبط في الصفحة 167، على أن الاختلالات التدينية التي تطفح بها الحياة المعاصرة، والمفارقات المكلفة التي تطبع ممارسة الإسلام لدى معظم الأمة تشير إلى أزمة عميقة يعانيها العقل الفقهي الإسلامي المسؤول عن إنتاج التدين وتحيينه. فالمسألة ـ تقول ـ ليست مسألة التزام أو عصيان، إنما هي في الجوهر مسألة تأقلم وتكيف.

    لم أفهم كيف يُحمّل العقلَ الفقهي الإسلامي المسؤولية وحده عن إنتاج التدين وتحيينه. ولم أفهم أكثر كيف أن المسألة في جوهرها ـ وبكل هذه الوثوقية، وبكل هذا التعميم ـ ليست مسألة التزام أو عصيان، إنما هي فقط مسألة تأقلم وتكيف !

9

   في الفصل الأول والمعنون بـ”القرآن السياسي في ضوء التاريخ وأسباب النزول”، تناول فيه بالدرس والتحليل والنقد الأحكام القرآنية المتعلقة بالتشريع العقابي والحرب والقتال وتدابير بناء الجماعة السياسية وغيرها، ويبدو لي بأن هذا الفصل لحساسية القضايا المطروقة فيه كان أكثر فصول الكتاب إثارة لسوء الفهم. خاصة وأنه خلط بين السياسي والمدني والجنائي والحربي، وحسم بشكل غير دقيق في كون العقوبات في الإسلام جلها بدني، وبنى على ذلك أحكام بدت لكثيرين متهافتة.

    وقد خلص الباحث إلى أن أحكام القرآن السياسي جاءت مراعية ظروف الجماعة وتحديات بناء المجتمع الجديد، إذ ارتبطت بوقائع وحوادث تاريخية معلومة، وناطقة بالخصوصية، ومن ثم فهي تعبير عن الدينامية التاريخية المحلية الخاصة التي تعكس خصوصية اللحظة التاريخية التي تنزل فيها الوحي، وتحديات بناء الأمة جميع الرسالة القيمية للقرآن من ناحية ثانية.

    وعليه فلا أحد من هذه الأحكام تحمل في ذاتها أصالة، بل هو التاريخ فقط وحركيته وجدلياته.

    ولكننا إذا عدنا ـ مثلا ـ إلى “فلسفة العقاب” في الإسلام، لوجدنا بأن بعض أسسها لا تنضبط لهذه الحركية ولا لهذه الجدلية لأنها لا تأخذ في اعتبارها المعطى الاجتماعي فقط، بل تتهمم أيضا بمصير المعاقب في الحياة الآخرة، وهذا غير مفهوم ـ طبعا ـ عند الحداثيين وأصحاب التحليل العقلاني المجرد.

10

    وفي الفصل الثالث، والمعنون بـ” مناهج تجديد فقه النص وحدودها: القرآن السياسي أنموذجا” ناقش الأستاذ جبرون، وبكفاءة عالية ـ بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع النتائج التي خلص إليها ـ ناقش ثلاثة مناهج استنجد بها أصحابها بغرض “تجديد فقه النص”

    فبدأ أولا بـ”المنهج المقاصدي” مع رواده الكبار مثل الشاطبي والطوفي من القدامى، والريسوني والبوطي والقرضاوي من المعاصرين.

   ثم ثنى بـ”المنهج اللغوي” مع محمود طه والحاج حمد ومحمد شحرور.

   وختم بـ”المنهج التاريخي”، مع الجابري وحامد أبي زيد وعبد الكريم سشروس وأركون. ـ رحم الله من مات ـ وبارك لنا في عمر وإنتاج من بقي.

    والسؤال الذي يطرحه أستاذنا على كل هذه المناهج مجتمعة هو: هل استطاع كل هؤلاء بكل عددهم وعدتهم أن يجدوا تسوية مناسبة ومقبولة وقارة لمعضلة الأحكام الثابتة بالنص، تسوية ترضي الإيمان وتحفز جهد الحداثة في الآن نفسه ؟

   دعني أسجل أولا على هذا السؤال ملاحظة جديرة بالقول، وإن كان الخطاب المعاصر يمجها، ولكنه الوضوح الذي ينبغي وقوف على أساساته وإن لم يترك لك صديقا: الملاحظة هي: لا أدري كيف غاب على استأذنا أن عددا من تلك الأسماء التي سبق ذكرها ـ والتي نعرفها جيدا ـ لم يكن همها ولا هاجسها ولا مما يشغل بالها، ما سماه أستاذنا بـ”إرضاء الإيمان” بل انطلقوا فقط من هاجس: كيف نوائم من مقومات تراثنا حتى تتواءم مع مقومات الحداثة والمعاصرة، أي أن المنطلقات والشواغل كانت فكرية بحثة. وما حديث بعضهم عن “إرضاء الإيمان” إلا من باب خوف المثقف من غضب الجماهير، أو تجسسا على مخزون الناس النفسي واستخدامه سياسيا. والاتفاق على هذا المعطى ـ إن حصل طبعا ـ  سيغير الشيء الكثير في جوهر سؤال أستاذنا.

   لقد سجل استأذنا على أصحاب هذه المناهج جملة من الملاحظات، يمكن إجمالها فيما يلي:

  ـ لم يجرؤ أصحاب “المنهج المقاصدي” على تسويغ الخروج على أحكام القرآن قطعية الثبوت والدلالة. ولاحظوا صيغة الملاحظة: وكأنه كان لزاما عليهم أن يفعلوا ذلك، والهدف دائما هو إرضاء الحداثة.

  ـ أما أصحاب منهج التجديد اللغوي، فقد حاولوا ـ انطلاقا من قراءة تأويلية للنص، توظف قاموسا جديدا لألفاظ القرآن مستغربا وغير مألوف، بل وبعيدا ومتكلفا، حاولوا إيجاد أدلة شرعية من القرآن تسمح لهم بمراجعة تلك الأحكام الثابتة.

  ـ في حين اتفق أصحاب المنهج التاريخي مع أصحاب المنهج اللغوي في جواز استبدال أحكام القرآن قطعية الدلالة بأخرى أكثر تناسبا مع العصر، ولكن بتعليل تغير الأحوال وانقلاب الزمان. ورغم أن استأذنا حاول أن يخلي ذمته من استخفاف البعض من هؤلاء بالنص القرآني، إلا أنه في النهاية برر لهم منهجهم بكونهم لم يغفلوا عن التنبيه إلى أن عدولهم عن الأحكام القرآنية الجزئية هو من جهة أخرى تمسك بأدلة كلية.

   ومن خلال خلاصاته النهائية يبدو جليا رفض أستاذنا الشديد للمنهج المقاصدي الذي لا يسوغ أبدا ـ وبأي حال من الأحوال ـ تعطيل أحكام المقدرات، والذي أبان من خلال ذلك على محدودية أفقه. وفي المقابل لا يخفي تعاطفه مع المنهجين الآخرين، فقط عليهما ـ بالإضافة إلى أمور أخرى ـ أن يعملا جهدهما، وخاصة أصحاب المنهج التاريخي، على إرضاء الوجدان الديني، حتى لا يجروا عليهم ألسنة التكفيريين.

11

 وفي بداية الفصل الرابع، والذي وسمه أستاذنا بـ”منهج هدي القرآن”، طرح سؤالا مفاده: هل قولنا بوضعية أحكام القرآن السياسي، وتجاوبها مع ظروف التنزيل يعني خلو هذه الأحكام من المعنى الأخلاقي والقيمي للإسلام؟ أعتقد أن هذا السؤال، وبهذه الصيغة، وبهذا المعنى، لا يضيف شيئا، ولا ينبش في شيء. فلا يمكن للباحث أن يدعي كل هذه الموضوعية، واللا انحياز، ما دام يناقش من داخل بنية الإسلام طبعا، لأنه مادام الإسلام المعياري قد اختار هذه الأحكام فلزاما وضرورة أنها تحمل معنى أخلاقيا وقيميا لا يناقشان. فهذه مسلمة عندنا بدليل أو بخلوّه.

12

    في عمقه، الكتاب يعود بنا إلى ذلك النقاش الفلسفي القديم/الجديد الذي يُطرح فيه سؤال حول “ماهية الفعل الأخلاقي ومصدره”، وهل الدين وحده المخول لتعريف الفعل الأخلاقي وإنتاج مقولاته، أم أن العقل ـ باعتباره القسمة المشتركة بين البشر ـ هو الكفيل بذلك؟ أستاذنا ينتصر لكون العقل بإمكانه ـ وبجدارة ـ أن يفعل ذلك، بل وبعيدا عن الدين. وهذا ما يقوله في الصفحة 308 عندما يؤكد أن أيما فعل أو عمل سياسي تحقق بأوصاف العدل والمساواة والحرية والمسؤولية والمعاهدة والمعروف والخير والمصلحة والكرامة، هو عمل أخلاقي، لا يحتاج إلى نص، أو فتوى فقهية بالأدلة الأصولية حتى يتحقق بهذا الوصف.

13

   ماذا يعني كل هذا الذي قلناه سابقا؟

    من بين ما يعنيه، وهذا مهم جدا فيما يخص التواصل المستقبلي بين الأستاذ جبرون مع قرائه، أنه يطلب منا ـ كقراء ـ أن نتعامل مع إنتاجاته الفكرية، ابتداء من الآن، باعتبارها صادرة عن باحث أكاديمي مستقل، يفكر خارج أي نسق أيديولوجي أو اختيار سياسي، وأن ننسى تماما جبرون “الإسلامي”، فلا نحمل تقديراته الفكرية أكثر مما تحتمل. وأعتقد أن هذا سيكون أقصى أمانيه في المرحلة القادمة، خاصة بعد كل هذا الهجوم الذي شن عليه في الأيام السابقة من قبل الأصدقاء أولا، والذين تعاملوا معه كطائر حلق بعيدا، بينما جلسوا ـ بلا فائدة ـ ينتظرون عودته.

14

    من يتحمل مسؤولية تعثر تطور الفقه الإسلامي ومسؤولية أزمته؟ هل هو الإمام الشافعي؟ أم العلماء الذين جاؤوا بعده وضيعوا ميراثه، ليس حفاظا وتقليدا، بل تجديدا وتثويرا؟

   في الحقيقة، لا هؤلاء ولا ذاك… إنه ـ في نظرنا ـ الملك العاض بلغة النبوة، والاستبداد بلغتنا المعاصرة. والكلام في هذا يطول جدا.

    ففي عهده تغير مجرى حياتنا، وفقدنا بالتدريج الكثير من مقوماتنا، ذهب العدل وذهبت الشورى، وحل الاستبداد، ومع القرون استفحل واحتل الأرض والعقول، واعتاد الناس ـ خوفا أو طمعا ـ على السمع والطاعة، وسكتت الأصوات الآمرة الناهية، واغتيل الرأي الحر، وفقدت النخبة يقظتها، وسد باب الاجتهاد، وتشتت العلم مزعا متخصصة عجز فيها أصحاب التخصص عن النظرة التجديدية الشاملة، لا يجسر أحده على بسطها مخافة السلطان.

    ثم هل بالفعل زمننا السياسي والفكري في حاجة لمناقشات حول “الحدود والعقوبات” كما تناولها القرآن الكريم؟ هل من “صاحب مشروع تغييري حقيقي” ينادي بها، ويطالب بتنفيذها؟ أعتقد أن الذي يفعل ذلك الآن هو أحد توجهين: بعض الأنظمة الاستبدادية التي تعمل على تقديم نفسها للعوام والبسطاء باعتبارها الحامية لحمى الدين. أو جماعات متطرفة لا مشروع لها ولا مشروعية إلا باعتبارها رد فعل متشنج عن انحرافات الداخل وتكالب الخارج.

15

أختم بالقول بأن الكتاب في مجمله:

ـ محاولة جادة ضد الفهم السلفي لقيم القرآن السياسية.

ـ دعوة لبناء عقل فقهي جديد يتصدى للإشكالات المتجددة.

ـ دعوة إلى تثوير القرآن فيما يخص المقولات السياسية الإسلامية.

وهذا محمود ومحتفى به.

ـ ولكنه أيضا دعوة للفصل التام والنهائي بين قيم القرآن وهديه، وبين الصور التاريخية لهذه القيم، وهذا يحتاج إلى الكثير من التروي، والقليل من المغامرة، لأن ذلك قد يفتح الباب واسعا لمن ليس همه لا إرضاء الإيمان، ولا تغيير ما بالأمة من أعطاب.  ولا يمتلك حتى الحد الأدنى من “سلطة القول العلمي”.

    أما الاجتهاد الحقيقي الذي ينبغي الخوض فيه بكل جرأة وشجاعة هو كيف نبني الحكم بيننا عدلا وشورى، نؤسس فيه لدولة قوية يحترم فيها الإنسان والمؤسسات، ونقتسم فيه المسؤوليات والمصالح. حينئذ، وحينئذ فقط، يمكن أن ننظر ـ بعين ناقدة وقلب مطمئن ـ فيما عداه من تفاصيل.

تعليقات