حوار – العلاّمة عبد العلي المسئول متحدثا عن الدراسات القرآنية في الجامعات، وسؤالي المعرفة والتخلق

حوار – العلاّمة عبد العلي المسئول متحدثا عن الدراسات القرآنية في الجامعات، وسؤالي المعرفة والتخلق

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

يتشرف مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث، أن يجري حوارا علميا مع فضيلة العلّامة المقرئ الدكتور عبد العلي المسئول ـ أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة محمد بن عبد الله بفاس ـ في موضوع يرتبط بالدرس القرآني وقضاياه.

*********************************************

حاوره الدكتور عبد الإلاه بالقاري

*********************************************

ما المقصود بالتفسير؟ وما أهم مناهجه؟ وكيف ينبغي تفسير القرآن العظيم؟

لقد أنزل الله تعالى كتابه على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وطلب إليه أن يبين للناس ما نُزّل إليهم من ربهم، وتبع الصحب الكرام رضوان الله عليهم المنهج النبوي في التبيين، وتبعهم التابعون، وهكذا حتى أضحى التفسير علما من علوم الشريعة.

فالتفسير: بيان المراد من كلام الباري سبحانه.

وقد اختلفت مناهج المفسرين في الإفصاح عن مراد الله تعالى، فمنهم من غلب عليه البيان والبلاغة كالزمخشري في الكشاف، ومنهم من كانت الأحكام الشرعية حاضرة عنده بقوة كالقرطبي في جامعه، ومنهم من استعمل آلتي العربية والقراءات لفهم كلام الباري سبحانه كأبي حيان في البحر المحيط. ومنهم من استحضر المباحث العقدية بكثرة في تفسيره كالفخر الرازي في مفاتيح الغيب. ومنهم من اهتم بالإشارات والمعاني السلوكية كالقشيري في لطائف الإشارات.

إن استخدام آليات النحو والتصريف والبلاغة والقراءات والقواعد الأصولية وغيرها ينبغي أن يراد منها فهم كلام الله تعالى، لا أن تجعل غاية في ذاتها وتبحث في كتب التفسير وتفرع أكثر من كتب تخصصها.

ومما ينبغي الإلماع إليه ألا يعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن وآياته إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك هو تفسير بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار، وألا تفسير إلا ما فسره من قبلنا من المفسرين، فهذا من باب تحجير فضل الله تعالى.

إنما الذي ينبغي إبرازه المعاني الإسلامية والإيمانية والإحسانية الواردة في كلام رب العالمين، إذ الشريعة هي جامعة لمقام الإسلام والإيمان والإحسان. والشريعة وضعت لمصالح العباد في الآجل والعاجل.

واستحضار مقاصد المشترك الإنساني في التفسير: مقصد الفطرة الإنسانية ومقصد الكرامة ومقصد المساواة  ومقصد الحرية.

ولنعلم أن معرفة التفسير الظاهر للآيات شرط في درك المعاني الإحسانية لكلام الله تعالى، وبغير معرفته لا يصح تفسير. قال الغزالي رحمه الله في الإحياء 1/408: “ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب“. والمقصود بالتفسير الظاهر للآي هو المستفاد من إعمال قواعد الاستنباط، وضوابط فهم المعاني، وعادات العرب في كلامهم…

*********************************************

ما الفرق بين التفسير وأصول التفسير وقواعد التفسير وعلوم القرآن؟

التفسير: بيان المراد من كلام الباري سبحانه. وأصول التفسير ما يتوصل به إلى فهم كلام الباري سبحانه من قواعد وكليات. وعلاقة التفسير بأصوله كعلاقة الفقه بأصول الفقه والنحو بأصول النحو وهكذا…

وأما قواعد التفسير وأصول التفسير فهما متباينان، نعم وإن كانت القاعدة والأصل متقاربين، فقواعد التفسير هي جزء من أصول التفسير، وهذا لا يعني ترادفهما في المعنى. ومن هذا الباب “الإكسير في قواعد التفسير للطوفي”، وهو كتاب تضمن عددا من أصول التفسير لكن الغالب على مباحثه أنها في بلاغة القرآن.

وأصول التفسير هو علم يندرج ضمن علوم القرآن، فالثاني أعم والأول أخص، وإن كان بعض المؤلفين سموا كتبهم بأصول التفسير أو قواعد التفسير وهي في مباحث علوم القرآن كالفوز الكبير في أصول التفسير للدهلوي  والتيسير في قواعد التفسير للكافيجي.

*********************************************

ما هي أهم تفاسير علماء الغرب الإسلامي؟

إن علماء الغرب الإسلامي كانوا حاضرين بقوة في ميدان العلم والمعرفة تدريسا وتأليفا، وقد اعتنوا بكتاب الله تعالى أداء لألفاظه وآيه، وكشفا لمعانيه. ومن أشهر تفاسير القرآن العظيم المبينة لأحكامه وحكمه:

-تفسير القرآن العزيز لابن أبي زَمَنِين الإلبيري (399هـ)

-الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب القيرواني ثم الأندلسي القرطبي (437هـ)

-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (542هـ)

-أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي المعافري الإشبيلي (543هـ)

-الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي(671هـ)

-التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الكلبي الغرناطي (741هـ)

-البحر المحيط في التفسير لأبي حيان الأندلسي (745هـ)

-تفسير الإمام ابن عرفة الورغمي التونسي (803هـ)

-البحر المديد في تفسير القرآن المجيد لابن عجيبة الحسني الأنجري (1224هـ)

-أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للمختار الجكني الشنقيطي (1393هـ)

ومن أحسنها وأجمعها وأدقها وأعمقها “التحرير والتنوير” للطاهر بن عاشور التونسي (1393هـ)

*********************************************

علم التفسير عِلْمٌ لَا نَضِجَ وَلَا احْتَرَقَ، ما السبب في ذلك؟

إن هذا الأمر راجع إلى سببين اثنين:

الأول يتعلق بطبيعة القرآن الكريم، إذ لا تنقضي عجائبه وأسراره ومعانيه، كما أن ألفاظه حمال وجوه، فقد يكشف عن وجوه وتبقى وجوه، حتى إذا جاء الخلف كشف عما لم يظهره السلف وهكذا.

الثاني: أن المتصدر للتفسير ليس كل عالم، وإنما ينبغي أن يكون جامعا للعلم والمعرفة والتقوى والصلاح والقرب من الله تعالى حتى يلهمه الله فهم كتابه والظفر بأسراره، وهؤلاء في كل الأعصر كالكبريت الأحمر.

*********************************************

بوصفكم أستاذا جامعيا متخصصا في علوم القرآن الكريم، ما هي وضعية الدراسات القرآنية في الجامعة المغربية؟

وضعية البحث العلمي على العموم بالمغرب ليست على ما يرام، وما يخصص للمختبرات ومعاهد البحث بالجامعات المغربية وخارجها من ميزانية وبرامج لا يرتقي إلى المستوى المطلوب. وأغلب الباحثين الجامعيين عندنا هم مدرسون غير منشغلين بالبحث العلمي بمعناه الجامع الشامل، لغياب استراتيجية واضحة لهذا الأمر عند الجهات المختصة، ولضعف الحوافز. فالأستاذ الجامعي المنخرط في البحث العلمي هو والمكتفي بالتدريس سيان في غالب الأحيان رتبة وأجرة. وهذا الوضع انعكس سلبا على العطاء العلمي تأليفا وإشرافا على الأبحاث والأطاريح الجامعية.

إن الدراسات القرآنية إذا ما قورنت بالدراسات الفقهية والأصولية والمقاصدية ودراسات الفكر الإسلامي فإنها تبقى أقل من حيث الاهتمام وتصدي الباحثين لها وتكوين فرق بحث ومختبرات لقضاياها. ينضاف إليها الدراسات الحديثية فهي أقل من هذه الدراسات المذكورة، بل أقل حتى من الدراسات القرآنية. وهذا أمر يتحكم فيه المشرفون على الأبحاث الجامعية، ورغبة الباحثين، وارتباط مختبرات البحث بسوق الشغل والمحيط وبالمجتمع المدني…

*********************************************

كيف نرتقي من سؤال المعرفة القرآنية إلى التخلق بالأخلاق القرآنية؟

إن هذا الأمر يرجعنا إلى قضية صلة العلم بالعمل، فهل العلم مقصود لذاته أم للعمل به؟

حينما نرجع إلى سيرة الرسول الله صلى الله عليه وسلم العطرة نجدها قد ترجمت ما في القرآن من أخلاق وآداب وأحكام وحِكم، وجعلت ذلك سلوكا. فالرسول صلى الله عليه وسلم هو من علمنا كيف نتطهر وكيف نصلي ونصوم ونزكي ونحج ونتعامل مع الزوج والأبناء والموافق والمخالف والبر والفاجر…سُئِلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: “كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ”.

إنه لا يكفي ترداد ما جاء به القرآن الكريم من أخلاق وآداب ما لم يتجسد ذلك في سلوكنا ويومنا ومع الأقارب ومع الأباعد. ورحم الله الشاطبي إذ قال في المقدمة الخامسة من الموافقات: “كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا عَمَلٌ؛ فَالْخَوْضُ فِيهَا خَوْضٌ فِيمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَأَعْنِي بِالْعَمَلِ: عَمَلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ”. إن للعلم ضياء ونورا، فالضياء هو المعرفة، والنور هو الذي يدفعك إلى العمل والتخلق بما علمت. وقد مالك بن أنس يقول: “ليس العلم بكثرة الرِّوَايَةِ، وَلَكِنَّهُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ”، وَقَالَ أَيْضًا: “الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ: وَهُوَ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرور، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ”، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ”.

*********************************************

ما تقييمكم لخدمات مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث؟

مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث جسر متميز للتواصل بين الباحثين والمؤسسات العلمية الأكاديمية، أسأل الله له التوفيق والسداد.

تعليقات