حقيقة العيد

د. محمد محمود بن أحمد محجوب: خبير لغوي موريتاني بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية


كنتُ، البارحَةَ، في سَمَرٍ مع صديقٍ لي، فاقْتحمَ (العِيدُ) مجلسَنا، مُوجِّها مسارَ حديثنا، وحاضرا في فِكْرِنا وتعبيرنا.
– قال صديقي: أتدري ما حقيقةُ العِيدِ؟
– قلتُ: قد لا يكونُ لمثلِ هذا السؤالِ ضرورةٌ. أنتَ تعلمُ أنّ التجرِبةَ أرفعُ درجاتِ اليقينِ، وأصدق روافدِ الحِسِّ والعقلِ معًا، وأقوى دليل علمي. والعِيدُ شيءٌ ماثِلٌ في حياتنا، وتجرِبةٌ حيّةٌ نعيشها.. فما وجه السؤال عن حقيقته؟
– قال: قُرْبُ الأشياء منّا، وكونُها تمثِّلُ جزءًا من تجارِبِنا الذاتيّةِ يلعبان دورا في تعميق الإشكالِ، ويمارسانِ الخداعَ بشأنِ العلمِ بها. فتَبْدو – للوهلة الأولى – عنصرًا ضِمْنَ بِنْيَتِنَا المعرفيّةِ، وحينَ نحاولُ الإمساكَ بها نفشلُ في ذلك. فلنجرّبْ.
– قلتُ: العيدُ مناسبةٌ سنويّةٌ جميلةٌ. نَفْرَحُ بها، ونحتفلُ، مُؤدِّينَ المشاعرَ، ومتبادلينَ الزياراتِ والتهانئَ.
– قال: هذه مظاهرُ العيدِ. فما حقيقتُه وجوهرُهُ؟
– قلتُ: بَصِّرني بالأمرِ، وأَنِرْ درْبي فيه. فإني لا أعلمُ خلافَ ما أنبأتُك به.
– قال:
** جوهرُ العيدِ وحقيقتُه: أن نَسْمُوَ بمشاعرنا وأحاسيسنا سُمُوًّا ينعكسُ أثرُه الإيجابيُّ على غيرنا: رَسْمًا للابتسامةِ على الوجوهِ، وتَماهِيًا يتجاوزُ مستواهُ المشاركةَ في: المأكل، والمشربِ، والملبسِ إلى المشاركةِ الوجدانيةِ الكاملةِ: أملًا، وأَلَمًا، وحُلْمًا، …إلخ
** جوهر العيد وحقيقته: أن نستشعرَ النعمةَ التي فيها نرفَلُ، فنتلمّسَ قَيْدَها عبْرَ: الذِّكْرِ، والشكرِ، وإظهارِ الأثرِ.
** جوهر العيد وحقيقته: أن تَسْتَجِمَّ النفسُ، فيذهبَ مللُها، ويتقلَّصَ كسلُها، فتتضاعفَ طاقتُها، ويكثرَ عطاؤها.
*** جوهر العيد وحقيقته: أن نَحْيَا لحظاتٍ نَنْعَمُ فيها بالهدوءِ، وراحةِ البالِ، وطمأنينةِ النفسِ؛ نَظِيرَ جُهدٍ بُذِلَ، وهدفٍ تحقَّقَ، وغاياتٍ ساميةٍ يُسعى إلى الوصولِ إليها عِيدًا بعدَ عِيدٍ.
– قلتُ: إنكَ تُفَلْسِفُ الأشياءَ.
– قال: بل المظاهرُ خدّاعةٌ. والحقيقةُ كثيرا ما تَتَوارى خلفَها. والناسُ في غفلةٍ منْ أمرهم، ولا سِيَّما في غَمْرَةِ العِيد.

حقيقة العيد

اقرأ أيضا على مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث:

تعليقات