تجديد الدرس العقدي: تعليق وتطبيق

د. أحمد زقاقي: باحث في الدراسات العقدية والفكر الإسلامي (المغرب)

بسم الله الرحمن الرحيم

أولا: تعليق

الدين إسلام وإيمان وإحسان،  والإسلام عقيدة وشريعة،  والعقيدة تتمحور حول معرفة الباري جل وعلا بتنزيهه عن جميع النقائص، ووصفه بجميع الكمالات، وإن الأبواب الموصلة إلى تلك المعرفة موصدة عليها أقفال لا يفتحها إلا الأنبياء والمرسلون، الذين بعثهم سبحانه وتعالى مبشرين ومنذرين، ومعلمين للحكمة والكتاب، وإن الشريعة هي التي تترجم عما في القلوب والضمائر،  فالعقيدة تصور،  والشريعة تصرف،  العقيدة علم، والشريعة عمل، والعلم إمام العمل، من هنا تكتسب العقيدة أهميتها.

أ‌- بدايات السهل الممتنع

كان المسلمون أول عهدهم بالدين الجديد ينطقون بضعة كلمات (الشهادتان) فيحسون بالتغيير توا في ظواهرهم وبواطنهم، فينصرفون للعمل بدون تأخر أو تلكؤ، يسدد الوحي أقوالهم،   ويهذب اخلاقهم،   وينمي فيهم الحس الجماعي، ويتعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بمواعظه وتوجيهاته ونصائحه وأوامره، لم يكن يشاغب على وضوح رؤيتهم سابق تعمق في قضايا الفلسفة والفكر والمنطق، فقد أوتوا الإيمان قبل القرآن، وكانت قراءتهم الوحيدة هي القرآن،   يحفظون منه آيات معدودات لا يتجاوزونها حتى يعلموا معانيها ويعملوا بها، لذلك تحلوا بالواقعية في النظر إلى الأمور، وابتعدوا عن التكلف والتصنع، ولم يجعلوا من اللغة حواجز ومتاريس مفهومية تحول دون الفهم والفقه لحقيقة العقيدة المضمنة في القرآن والسنة.

ب‌- انزياح عن اليسر

وقعت الفتنة الكبرى، وتغيرت القلوب، واختلفت الفهوم، وذهب كل فريق يحتج لمواقفه ومقالاته بالقرآن والسنة، وتجرأ المتعصبون على الوضع في الحديث، والتُمست للخلافات السياسية مخارج وتبريرات عقدية، من قبيل تكفير مرتكب الكبيرة، والقول بالإرجاء والجبر، وهو قول كان يعجب الحكام الخارجين عن جادة الحق والصواب لأنه كان يُفهِم المحكومين أن تَصدُّر أمرائهم للحكم قضاء وقدر، وأن الإيمان نية وعقد بلا عمل، ومع توالي السنين والقرون، عمَّت الكتب والشروح والحواشي والمختصرات على العقيدة القرآنية الصافية،  نشأ علم الكلام اول الأمر مدافعا عن قطعيات العقيدة بالحجج العقلية، ومفندا لمقالات الأحزاب والفرق التي انشقت عن الجماعة، أي نشـأ مدافعا، ثم آل الأمر ببعض الفرق إلى اندفاع حكَّم العقل في النص القرآني بضرب من ضروب التعسف في التأويل، وكان المتكلم وهو يكتب ويؤلف يفترض محاورا ومناظرا له، عكس الفيلسوف الذي كان يتذرع “بوثوقية” لا مجال معها للحوار.

وأُلحقت بالأصول العقدية فروع فقهية كالمسح على الخفين الذي اصبح القول به علامة عند البعض على الانتماء للسنة والجماعة، وردا على الشيعة التي تعتبر الإمامة منصبا دينيا كالنبوة غير أن النبي يوحى إليه والإمام لا يوحى إليه، درج بعض مدوني العقائد وتاريخ الفرق على تذييل القول في فروع وأصول العقائد بالقول في إمامة الأربعة الخلفاء رضي الله عنهم، بينما كان الأجدى أن يُدرج ذلك في الفقه العملي في ارتباطه بالمقاصد الشرعية تحقيقا للمصالح ودرءا للمفاسد، ولأن النظر في قضايا الحكم مُفوَّض إلى نظر الخلق ولا يدخل في مُسمَّى العقائد، لأن إدخاله في مسمى العقائد يؤدي إلى الحكم على الاختلاف بشأنه (أي الحكم) آنئذ بمعايير الكفر والإيمان، لا بمعايير الخطإ والصواب، وقديما اعتبر الإمام الغزالي أن الاختلاف في الإمامة، في تَعيُّنِها وتعدُّدها،  لا شيء منه يوجب تكفيرا.

وبعد أن مهدت الطلائع الأولى للمستشرقين الطريق للاستعمار، فعل الغزو الفكري فعله في تكريس الانحرافات العقدية، أولا بقطع صلة المسلمين بمصدر التلقي والترقي القرآن الكريم، وثانيا بالتخلي عن واجبات الجهاد والاجتهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للتخلص من الفكر المقاوم والعقيدة المقاومة، حتى إذا غادرت جحافل المستعمرين البلاد الإسلامية، أكمل مهمة القضاء على مقومات الأمة المعنوية تلامذته من النخب المُغرَّبة التي روجت لأشكال جديدة من الجبرية والإرجاء، جبريات حداثية باسم المادية التاريخية  والظاهرة الاجتماعية واللاشعور الجنسي يقف الإنسان تجاهها مسلوب الإرادة، وإرجاء حداثي في صورة علمانية شاملة تفصل الدين عن الدولة، والإيمان عن العمل الصالح، وتسعى لتطبيع حياة الناس مع المنكر، وحماية السلوكات الشاذة والمنحرفة، والحاطة بالكرامة الإنسانية باسم شِرعة حقوق الإنسان الدولية.

رغم التطور السريع الذي شهدته المعرفة في العالم، بحيث تم طرق مجالات جديدة، وآفاق واسعة لاسيما مع ميل ميزان القوة نحو الشرق (الصين)، فما زال المسلمون أكثر من غيرهم يلوكون مقالات الخلافات العقدية القديمة، ويُسعِرون نيران المعارك الطائفية، مما أفضى إلى انتشار اليأس والقنوط بين الشباب من أي محاولة للتوحيد.وتبقى أسباب كل هذا لها تعلق بالعقيدة التي تُلقَن للناس، عقيدة تركُّز طرق عرضها على ثقافة الإلغاء باستحضار حديث (الفرقة الناجية) الذي يُساء فهمه على نحو تسعى معه كل فرقة لتثبت أنها هي “الفرقة المختارة” قياسا على “شعب الله المختار”، وتكثر من ذكر فرق باد معظمها وانقرض.

ثانيا: شرطان وتطبيق

إن الدرس العقدي في المدارس والجامعات تكتنفه مجموعة من النواقص التي تشل حركة المسلم في الواقع، فينصرف إلى النظر دون العمل، ويقنع برد الفعل أكثر من صناعة الفعل،  ولا سبيل إلى تجديد الدرس العقدي إلا إذا تحققت مجموعة من الشروط أهمها شرطان:

الأول:تخليص الدرس العقدي من الزوائد المنطقية والكلامية والفلسفية:إذ تضيع الحقائق العقدية وسط ركام من الاصطلاحات والتعاريف والحدود، فيحضر الحديث عن المقولات الفلسفية العشر، وعن دقيق الكلام وجليله، وعن المنطق الأرسطي، والصغرى والكبرى، والكليات، والجوهر والعرض والهيولي، وتقع الإحالة على الأشخاص أكثر من القرآن كابن عربي والسهروردي والفارابي وابن سينا والغزالي والحلاج وغيرهم.

الثاني:إعادة الاعتبار إلى العقيدة القرآنية، وإلى منهج القرآن الكريم في تقرير العقائد وهو منهج يقوم على أركان أربعة:

1.    تنبيه الفطرة

2.    الاعتبار بالقصة

3.    إثارة العقل

4.    الحوار والجدل

هذه الأركان الأربعة جمعتها سورة نوح، بما هي قصة، تنبه الفطرة، وتثير العقل من خلال اعتماد أسلوب الحوار بين نوح عليه السلام وقومه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)

المستفادات العقدية من سورة نوح

المحاور العقدية الكبرى للسورة:

1. التوحيد  (إنَّا) (أن اعبدوا الله واتقوه)

2.النبوة والرسالة (أرسلنا نوحا)

3.المعاد (من قبل أن يأتيهم عذاب اليم) (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر)

المحاور العقدية التبعية

1.توابع التوحيد

– الله واحد لا شريك له:لذلك أمر نوح قومه الا يتخذوا أندادا من الله:ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا

– والإيمان به أولا وآخرا هو العروة الوثقى وهو المحور الذي تدور عليه جميع العقائد، ومنه تستمد كل التصرفات، فالتصور عنوان التصرف، لذلك يحرص جميع الرسل على أن تكون هذه القضية واضحة في تصورات المدعويين، وذلك قبل أن يلفت نظرهم إلى الواقع والمحسوس والمشاهد (أن اعبدوا الله واتقوه)

– هو سبحانه عدل لا يؤاخذ إلا بذنب (مما خطيئاتهم اغرقوا)

– هو الكريم المحسن:أمدهم بالأموال والبنين وفجر لهم الأنهار

– لفت أنظارهم إلى برهان النظم والتصميم الذكي في الكون ليستدلوا به على الإيمان والتوحيد:على شكل سنن لا تتخلف ولا تتبدل، بحسب تعاقب وتتالي منطقي : ففي كل عام ينزل الماء فيفجر الله به الأنهار، ويخرج به النبات الذي يحتاج إلى التغذية الضوئية فيصبح للشمس والقمر دخل في ذلك الإخراج، ومهد لهم الأرض، وأمرهم أن يتبينوا آياته سبحانه في أنفسهم ليكتشفوا وحدة خلق الإنسان والنبات.

يرسل السماء عليكم مدرارا:فنزول المطر يحسونه ويشاهدونه ببديهة الفطرة وأول نظر، ويرون أثره البين فيما يخرج من الأرض من نبات وزرع تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، والعقل ليس له إلا التسليم بوقوع كل ذلك، لأنه ليس في مكنته إنكار المحسوسات.

2.ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا: يذكرهم الرسول بنعمة الإمداد

3.مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا:لم يكن الإنسان زمن نوح عليه السلام يعرف أسرار تخلق الجنين في بطن أمه، ولا الأطوار التي يتقلب فيها، يدعوهم الرسول إلى الإيمان الإجمالي بذلك، تمكن إنسان هذا الزمان، ومع تطور العلم، من الإيمان التفصيلي المعزز بالصور ووسائل الكشف عن الأطوار التي يمر بها الجنين قبل أن يولد، فأما المومنون فيستشعرون الوقار والسكينة والخشوع والخشية، ويخضع القلب والعقل لجلال الله وإعجازه في خلقه، أما الملحدون فتتملكهم نزعة الإنكار فلا يؤمنون. ويستدل على إبداع الصانع ببرهان النظم والتصميم في الكون:ينزل المطر فينبت الزرع فتجري الأنهار، يلحظ العقل العلاقة السببية فيرتب على ذلك نتائج أهمها: لا بد لهذا النظم والتصميم من مصمم.ولا بد للسبب من مسبب.

ويعد برهان النظم في الكون أهم برهان على وجود إله لا يستطيع معه منطق تيار الإلحاد المعاصر التماسك فكل كتاب لا بد له من مؤلف، وكل بناء لا بد له من بان، وهكذا صعودا إلى ذروة الهندسة الذكية في الشفرة الوراثية للجينوم البشري:ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا، والله أنبتكم من الرض نباتا، ثم يعيدكم فيها، ويخرجكم إخراجا، والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا فجاجا:نظم وتصميم.

– أمروا بعبادة الله لأن العبادة من مقتضيات التوحيد العملي فهو سبحانه المستحق حصرا للعبادة، والجزاء هو(يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى): فرتب على الطاعة والعبادة الجزاء والثواب، لتلين قلوبهم بالترغيب.

– لا يجوز التوجه بالدعاء إلا إلى الله: وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا:

يعتقد المؤمن بأنه لا يتوجه بالدعاء إلا إلى الله، ويعتقد بأن الأنبياء والرسل يقضون حياتهم كلها بين دعاء ودعوة

إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا :

على المؤمن أن يعتقد بأن دعاءه على الغير يجب أن يحمله عليه سبب وجيه يرجع إلى مصلحة الدعوة لا إلى إلى الرغبة في الانتقام والتشفي

رب اغفر لي ولوالدين ولمن دخل بيتي مومنا وللمومنين والمومنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا:بعد أن دعا على أعدائه، دعا لأوليائه واقربائه، واعتقادا يجب موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين هذا على صعيد النظر، أما على صعيد العمل وتدبير الاختلاف فتحضر اعتبارات أخرى لها صلة بالفقه والسياسة الشرعية والمقاصد والمصالح.

2.توابع النبوة والرسالة

– تبليغ الرسول للرسالة بصبر وجهد وهذا يشهد لصدقه،  إلى قومه: فهو منهم وهم منه ليسهل عليه التواصل معهم،  إذ هو الأعرف بلسانهم وعوائدهم

أن أنذر قومك: فالإنذار هو أحد الأهداف المهمة لبعثة الرسل

قال يا قوم إني لكم نذير مبين: من أول خطوة سلك معهم سبل الحوار والإقناع والجدل فتتكرر على مدار السورة عبارات قال وقالوا

قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا: نهض الرسول بواجب التبليغ، فلم يعط للدعوة فضول الأوقات بل استغرقت وقته كله، واتجه إليها بكليته

فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم : يريدون بذلك حسم مادة النقاش، لا يريدون أن يسمعوا ولا أن يبصروا، في الظاهر، أما في الباطن فقد استحكم فيهم الداء العضال: الاستكبار

وأصروا واستكبروا استكبارا: وتلك هي العقبة النفسية الكأداء التي تحول دون الإيمان والاستجابة للرسل ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يومنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا)

ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا: فالأنسب لمن يغشون النوادي والتجمعات الدعوة جهارا، وللمنعزلين وكبراء القوم الدعوة سرا.

قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده مله وولده إلا خسارا:

–         المال والولد فتنة

–         التقليد والتبعية عقبة تحول دون الاستجابة لدعوة الرسل

–         عاقبة المفتتنين بالمال والولد، والمقلدين الذين لا يستخدمون عقولهم الخسران المبين

ومكروا مكرا كبارا: بعد أن ترسخت في قلوبهم آفة الاستكبار، واتبعوا المستكبرين، انخرطوا في نسج المؤامرات بمكر، فلم يكتفوا بالكفر النظري وتعدوه على الكفر العملي

وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواع ولا يغوث ويعوق ونسرا: يستميتون في الدفاع عن العقائد الباطلة، لم يقوا إنهم اتخذا آلهة تقربهم من الله زلفى، وإنما اتخذوا آلهة خاصة بهم على سبيل الاستقلال

وقد أضلوا كثيرا: واضح أنهم خدعوا كثيرين بمعسول كلامهم، وبترغيبهم وترهيبهم

– تغيير الرسول لأساليب الدعوة وهذا يشهد لفطانته

– طاعة الرسول فيما يأمر به وينهى عنه أصل اعتقادي (وأطيعون) إذ لا معنى للإيمان بالله دون طاعة الرسول، فالعقيدة ترتبط بالسلوك والعمل الصالح والجزاء الأخروي، ولما ابتعد المسلمون عن حقيقة ارتباط الإيمان بالعمل الصالح راج وانتشر الفكر الإرجائي الذي ميَّع الدين، وأدى على تحلل الناس من التكاليف الشرعية والاكتفاء بالشعارات دون الأعمال.

3.توابع المعاد:

– من قبل أن يأتيهم عذاب أليم: وهو عذاب في حكم الغيب الذي أمروا أن يؤمنوا به، والجملة إخبار في معنى الإنشاء إذ يطلب إليهم عمل الصالحات التي تبعدهم عن العذاب وسخط الرحمن

– وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا  (17)ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا: تذكير بالنشأة الطينية الأولى (المبدأ) وبالبعث والنشور (المعاد) وهما أصلان اعتقاديان لا يصح إيمان امرئ بإنكارهما.

خــــــــــــــاتمة

لقد وقع الكلام في هذا المقال موقع التنبيه على المستفادات العقدية المستخلصة من سورة نوح، إذ دارت تلك المستفادات حول أقطاب ثلاثة: قطب التوحيد بالدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والتقوى، وقطب الرسالة بالدعوة إلى طاعة الرسول الذي لم يذخر جهدا في التبليغ، وقطب المعاد بالدعوة إلى التدبر في النشأة الأولى والآخرة عند الموت والرجوع إلى التراب، ثم البعث للمحاسبة على الأعمال، فرغبهم في مغفرة الله وخوفهم من اليم عذابه، وكل قطب يستدعي عملا،   فلا توحيد بدون توحيد عملي قياما بالعبادات والواجبات، ولا معنى للإيمان بالرسل والأنبياء بدون طاعتهم واتباعهم، والانصراف إلى تقليد الزعماء والمستكبرين والمُضِلين، ولا معنى للإيمان بالله والرسل بلا إيمان بالمعاد واليوم الآخر.

تعليقات