حوار – الدكتور محمد الناسك: الخلاف الفقهي ثروة عظيمة تدل على سعة الشريعة الإسلامية وغنائها

الدكتور محمد الناسك: الخلاف الفقهي ثروة عظيمة تدل على سعة الشريعة الإسلامية وغنائها

حاوره الدكتور عبد الالاه بالقاري

يتشرف مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث، أن يجري حوارا علميا مع فضيلة الفقيه الدكتور محمد الناسك في موضوع يرتبط بالدرس الفقهي وقضاياه.

س ـ بداية نود منكم أن تعرفوا لنا المقصود بعلم الفقه الإسلامي، وما هي مجالات اشتغاله؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم.

شكر الله لكم هذه الاستضافة الكريمة، وتقبل الله منكم ما تبذلونه من جهد -في مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث–  لخدمة العلم وأهله.

أما بعد فجوابا على سؤالكم حول ما المقصود بالفقه، وما مجالات اشتغاله، أقول وبالله التوفيق:

عرف الأصوليون الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، فالفقه هو العلم بالحكم الشرعي العملي حتى ولو كان قلبيا كأحكام النية وما يتعلق بها، وهو علم كسبي، يكتسبه الفقيه بالجد والتحصيل، والجلوس بين يدي الشيوخ، ولا يؤخذ من الكتب مباشرة، ولذلك قالوا من أخذ الفقه من الكتب بدل الأحكام، ولله در أبي حيان في قوله:

يظن الغمر أن الكتب تهدي***أخا فهم لإدراك العلوم

وما يدري الجهول أن فيها***غوامض حيرت عقل الفهيم

إذا رمت العلوم بغير شيخ***ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس الأمور عليك حتى***تكون أضل من طوما الحكيم

فآفة هذا الزمان أن كثيرا من طلبة العلم يأخذون الأحكام الشرعية مباشرة من الكتب الفقهية، دون أن يتتلمذوا على أهل الاختصاص فإذا تكلموا أغربوا وأتوا بالعجب العجاب.

وهناك طريفة تحكى في هذا المقام جرت بين طالب وشيخه، فقد كان أحد طلبة القرآن يحفظ القرآن على شيخ فوقع بينهما شنآن فاعتزل الطالب الشيخ مدة ثم اصطلحا، فأتى الطالب بلوحه للشيخ ليصححه، وقد كتب فيه الثمن الأول من سورة القصص، وفيها “وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه” بكسر النون، فصححها الشيخ وكتب له في أسفل اللوح:

وهاك يا طالبا أنَ ارضعيه***والنون مفتوح لا شك فيه

ومن يقرأ بلا شيخه***يتبعه الجهل حتى يعميه

ومن آفات هذا الزمان ظهور ناس ينتسبون للعلم لا هم مؤهلون للاجتهاد، ولا هم راضون بالتقليد فتراهم يخبطون خبط عشواء، مما أضر بسمعة الفقه بين الناس، ولله در محمد الغزالي عندما قال: “التقليد المذهبي أقل ضررا من الاجتهاد الصبياني”.

والأدلة التي يؤخذ منها الفقه ترجع إلى أربعة مصادر، هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس.

أما مجالات اشتغال الفقه فهي الأحكام المتعلقة بأقوال وأفعال المكلفين، فكل فعل أو قول يصدر من المكلف فله حكم شرعي من الأحكام الخمسة، فالفعل أو القول قد يكون واجبا كالصلاة والزكاة وتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة في الصلاة، وقد يكون مندوبا كصلاة الضحى وصدقة التطوع والتشهد وقراءة السورة في الصلاة، وقد يكون حراما كالزنا وشرب الخمر والكذب وشهادة الزور، وقد يكون مكروها كالصلاة في أوقات الكراهة والكلام الذي لا فائدة فيه إذا لم يكن حراما، وقد يكون  مباحا كالأكل والشرب، ومداعبة الزوجة والأولاد، وهكذا تجد الفقه يغطي بأحكامه كل ما يصدر عن المكلف من قول أو فعل، ولذلك قالوا: لا يحل للعبد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، مصداقا لقول الله تعالى: ” يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله”.

وقد قسم المتأخرون من فقهاء المالكية الفقه إلى أربعة أقسام، وهي:

1- قسم العبادات، ويتضمن أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، وأدخلوا في هذا القسم أحكام الجهاد باعتباره عبادة من العبادات التي رغب فيها الشارع، خلافا للشافعية الذين أدخلوه في باب الجنايات.

2- قسم النكاح وتوابعه من طلاق وعدة وحضانة…الخ. ويذكرون في بداية هذا الباب الأحكام الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه – صلى الله عليه وسلم – خص في باب النكاح بخصائص متعددة لم يجمع مثلها في باب من أبواب الفقه.

3- قسم البيع وتوابعه كالإجارة والشفعة والوقف….الخ.

4- في القضاء والشهادات وأحكام الدماء….الخ.

س ـ من المعلوم أن علم الفقه مذاهب متعددة ومدارس مختلفة، لماذا هذا التنوع والاختلاف؟

الاختلاف والتنوع سنة ربانية، وسمة إنسانية بارزة عابرة للأديان والأعراق واللغات، فقد خلق الله الناس مختلفين في مستوى الإدراك والفهم والقدرة على الاستيعاب، بل قد يختلف الإنسان مع نفسه، فتجد له في المسألة الواحدة قولا اليوم وآخر غدا، فكلما تغيرت أحواله ومعلوماته تغيرت أقواله.

 ثم إن الله تعالى أنزل كتابه بلسان عربين مبين، واللسان العربي متسع الدلالة، فيفهم هذا العالم من النص معنى، ويفهم عالم آخر من نفس النص معنى آخر، ثم جاءت السنة مبينة للكتاب وبنفس اللسان المتسع الدلالة، فيضاف إلى اختلاف الفهم غياب النص النبوي عن هذا العالم أو عدم صحته عنده فيعدل عنه إلى اجتهاده، بينما بلغ آخر وصح عنده فأخذ به، ولذلك عندما أراد أبو جعفر المنصور حمل الناس على الموطأ أبى مالك –رحمه الله- وقال له: “يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإن ردهم عما قد اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم”.

والنصوص الشرعية محدودة، بينما القضايا غير محدودة، وقد تنزل بالناس نوازل تحوج العلماء للاجتهاد فتختلف أنظارهم، ولا تتشابه أحوالهم، فمنهم من يغلب عليه التيسير، ومنهم من يحرص على الاحتياط لدينه، فيختلفون لذلك.

أضف إلى ذلك اختلاف مناهج الأئمة –رحمهم الله- فمالك يقدم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد، وأبو حنيفة يشترط التواتر فيما تعم به البلوى…الخ، وهذا الاختلاف في المناهج يؤدي إلى الاختلاف في النتائج.

ومع ذلك فإن هذا الاختلاف لم يكن في يوم من الأيام عبئا على الأمة، ولا سببا للتخلف والاضطراب والصراع، بل كان العلماء ينظرون إلى الاختلاف على أنه ثروة حقيقية ينبغي الاستثمار فيها، وقد اختلف أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في كثير من المسائل، -دون أن يفسد اختلافهم الود الذي كان بينهم- منها اختلافهم في كيفية تنزيل قوله –عليه السلام-:  “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة”، ففهم بعضهم أن القصد هو الإسراع فلما حضرت الصلاة صلوها في وقتها قبل الوصول إلى بني قريظة، ووقف آخرون مع ظاهر النص فلم يصلوا حتى بلغوا بني قريظة، فأقرهم رسول الله جميعا، وقد قال عمر بن عبد العزيز ما أحب أن أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا لأنه لو كان قولاً واحداً، كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ بقوله رجل منهم كان في سعة”.

ومن القواعد المقررة عند المالكية مراعاة الخلاف، وفي كتب المالكية تجد الخلاف الفقهي بين أئمة المذهب، وتجدهم يوردون في كتبهم حتى الأقوال الضعيفة، وقالوا: “إن فائدة حكاية الأقوال الضعيفة وسردها، وملء الدواوين بها، هو الرجوع إليها عند الحاجة، والعمل بها عندما يعسر الأمر في غيرها”.

فالخلاف الفقهي ثروة عظيمة تدل على سعة هذه الشريعة وغنائها، وقدرتها على شمول حياة الإنسان بالعناية والاهتمام في كل زمان ومكان.

ولكن أساء لهذه السعة والغناء صنفان من الناس:

1- صنف اتسم بالتعصب المذهبي، ورمى المخالف بكل نقيصة، وادعى العصمة لمذهبه، وهذا مخالف لما كان عليه، أئمتنا -رحمهم الله-، فقد روي عن الشافعي أنه قال: ما عندنا صواب يحتمل الخطأ، وما عند غيرنا خطأ يحتمل الصواب، وقد خالف الشافعي مالكا وهو شيخه فلم ينقص احترامه له، وكان يقول: “إذا ذكر العلماء فمالك النجم”.

2- وصنف أنكر صحة المذاهب الفقهية، واعتبرها مخالفة للسنة النبوية، بل حمله ضيق الأفق وقلة العلم على الزعم بأن تعدد المذاهب مخالف للشريعة، لأن الدين واحد والقرآن واضح والسنة حاكمة فلم الاختلاف، وما درى المسكين أن هذا الخلاف فيه من التوسعة على الناس، والرفق بهم، والتيسير عليهم ما لو أدركه لكان الخلاف الموجود أحب إليه من التوحيد المنشود.

وقد أصدر المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة سنة 1408، بين فيه أسباب وفوائد الخلاف الفقهي، وندد فيه بكلا الصنفين المذكورين أعلاه.

س ـ أستاذنا الفاضل، في نظركم ما هي أهم الأسباب التي جعلت أهل المغرب يتمسكون منذ عهد الأدارسة بالمذهب المالكي في العبادات والمعاملات، وقضايا العادات؟

أولا ينبغي أن نعلم أن المغاربة تبع للأندلس والقيروان في هذا، ثم إن المذهب المالكي هو مذهب أهل المدينة، مهبط الوحي، وعاصمة الخلافة الراشدة، وتكاد تكون نسبته لمالك كنسبة المصاحف لعثمان –رضي الله عنه-، وللمغاربة تعلق خاص بكل ما هو مدني، لتعلقهم بساكن المدينة –عليه أفضل الصلوات وأزكى التحية والتسليم-، فقد أخذوا في القراءة بقراءة نافع المدني، وفي الفقه بفقه أهل المدينة، أضف إلى ذلك أن المدينة كانت مركزا علميا يلتقي فيه أهل العلم من كل أنحاء العالم الإسلامي، فيجمعون بين زيارة الروضة الشريفة والمسجد النبوي، وبين أخذ أهل العلم بعضهم عن بعض.

كما أن لمذهب مالك خصائص ومميزات جعلت المغاربة يتمسكون به، منها: سعة أصوله، وصحة قواعده، وأخذه بالمقاصد، وتصديه للحيل، فهو كما يقول الدكتور عمر الجيدي: فقه عملي، يعتد بالواقع، ويأخذ بأعراف الناس وعاداتهم، ويستند إلى المصالح المرسلة التي هي من أجل قواعده.

والمغاربة عندما أخذوا بالمذهب المالكي إنما أخذوا به عن وعي وفهم، ولذلك تجدهم يخالفون ابن القاسم في ثمانية عشر مسألة، بل خالفوا مالكا في عدد من المسائل، نظمها ابن غازي -رحمه الله- في قوله:

قد خولف المذهب بالأندلس *** في ستة : منهن سهم الفرس

وغرس الأشجار لدى المساجد***والحكم باليمين قل والشاهد

وخلطة والأرض بالجزء تلي *** ورفع تكبير الآذان الأول

كما أن شخصية مالك كان لها تأثير خاص لجمعه بين الحديث والفقه، فهو فقيه محدث، وكان يسمى العاقل، قال يحيى بن يحيى التميمي: “أقمت عند مالك بن أنس بعد كمال سماعي منه سنة أتعلم هيئته وشمائله فإنها شمائل الصحابة”، وكان المغاربة يجدون عند مالك عناية واهتماما، ومن هؤلاء يحيى بن يحيى الليثي، فقد يعجب مالكا سمت يحيى وعقله. روي عن يحيى بن يحيى الليثي أنه كان عند مالكا يوماً جالساً في جملة أصحاب مالك، إذ قال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه. فقال له مالك لِمَ لم تخرج فتراه، إذ ليس بأرض الأندلس. فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي، لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، لا لأنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك وسماه العاقل.

لهذه الأسباب وغيرها تمسك المغاربة بالمذهب المالكي، وعندما أراد يعقوب المنصور حملهم على غيره تصدوا له وحملوا المنصور على مرادهم، بل ذهبت الدولة الموحدية وبقي المذهب المالكي، لأن المذهب المالكي هو خيار الأمة، هي التي تتمسك به وتدافع عنه، وليس خيار الدولة التي تتمسح به.

س ـ ينتقد بعض الباحثين العمل الفقهي بكونه غارقا في التجزيء أو ما يعرف حصرا بالفروع الفقهية في مجالي العبادات والمعاملات، في حين لا يمتلك رؤية واضحة لبناء الدولة ومؤسساتها، ما رأيك؟

لا شك أن في الفقه جهدا بشريا لفهم الشريعة المحمدية، وبالتالي فهو يحتاج دائما للنقد والتقويم والتجديد، ولكن من يحق له النظر في الفقه هو من توفرت فيه شرائط الاجتهاد والفتوى، وهذه الشرائط منصوصة في كتب أصول الفقه، أما أن يتصدى لنقد الفقه كل من هب ودب ممن لا علاقة له بالفقه، أو من له خلفيات إديولوجية معادية للفقه ولمصادره، فمثل هؤلاء فقط يجعلون أنفسهم أضحوكة بين الناس لما يأتون به من العجائب والغرائب، وقديما قالوا من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب.

 كما أن بعض الناس يكيل تهما جاهزة دون تمحيص، ثم هذه التهم تكون تهما مطاطية غير دقيقة ولا محددة، يراد ببثها بين الناس التشويش عليهم أو التعالم، وهذا كله لا فائدة منه، والأصل أن تصان أفعال العقلاء عن العبث.

أما الناظر المنصف للفقه فإنه يجد فعل الفقهاء فيه يتسم بالشمولية والكلية، فمسائل الفقه يتم تخريج بعضها عن بعض، فتجدهم يخرجون مسألة في كتاب النكاح على مسألة في كتاب الدماء، كما تجد النظر السياسي الشرعي حاضرا في كل أبواب الفقه، وهكذا نصوا في كتاب الصلاة على أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة الخوف من بيعة الإكراه لسلطان جائر، وفي كتاب الزكاة نصوا على أن من أعطى الزكاة لسلطان غير عدل دون إكراه فإنه يضمنها، والسلطان الحاكم هو إمام الصلاة وخطيب الجمع والأعياد ولذلك تشترط في نفس الشروط التي تشترط في إمام الصلاة وزيادة.

ورغم أن الإمامة السياسية من الفروع الفقهية إلا أن العلماء يتعرضون لكل ما يتعلق بها في مباحث علم الكلام، في سياق الرد على من جعل الإمامة ركن من أركان الإيمان، وهكذا تجد هذه الأحكام مبثوثة في كتب الفقه وفي كتب التوحيد، ومنهم من خصها بالتأليف كغياث الأمم في التياث الظلم للجويني، والأحكام السلطانية للماوردي، ومعيد النعم ومبيد النقم لعبد الوهاب السبكي، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية، والطرق الحكيمة في السياسة الشرعية لابن القيم، وغيرها كثير.

وحتى في العصر الحديث هناك عشرات المؤلفات في الفقه الساسي، حول الديمقراطية، والانتخابات، وكل ما يتعلق بالعمل السياسي من أحكام، فالجانب السياسي الشرعي كان ومازال حاضرا عند أهل الفقه، يتحدثون عنه ويؤلفون فيه، مهما عزلتهم السلطة، وهمشتهم الأنظمة، واضطهدهم الاستعمار ووكلاؤه قديما وحديثا، فهم حاضرون حارسون للشريعة وحدودها، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

وإن كان هناك من تقصير أو لوم فلا يجوز توجيهه للفقهاء، بل ينبغي توجيهه للسلطة القائمة لأنها هي التي تهمش الفقهاء، أو توظف بعضهم توظيفا مسيئا لهم ولما يمثلونه من شرعية، ويجعل الناس يفقدون الثقة فيهم وربما في الدين بأكمله، ومثل هؤلاء الفقهاء هم الذين يستحقون النقد وربما الذم.

س ـ في ضوء ما يسمى بالقراءة الجديدة للقرآن الكريم، نجد بعض الحداثيين ممن كتب في هذا المجال يبطل كثيرا من الأحكام الفقهية التي ينص عليها القرآن الكريم وتؤكدها السنة النبوية، ما موقف أرباب الفقه من هذه الظاهرة؟

تحدثت آنفا على أن الذي يحق له التصدي للاجتهاد والفتوى هو من توفرت فيه شرائطها المعتبرة، أما الحداثيون فليس لهم العدة المطلوبة لخوض هذا الغمار، وقد قرأت للجابري وأركون وأطلعت على مواقفهم من كثير من الأحكام التي يسيئون بها لأنفسهم، ولله در القائل:

كناطح صخرة يوما ليوهنها***فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

وإن تعجب فعجب أن تجد هؤلاء وغيرهم يحترمون كل التخصصات، إلا تخصص العلوم الشرعية تجد الكل يتطاول عليه، والكل يدعي فهما فيه ويزعم تجديدا له.

فهؤلاء مجرد مقلدين للمستشرقين، وإن كان المستشرقون أعقل منهم، وقد وقفت لمستشرقين ينتقدون تعامل أركون مع القرآن من خلال مناهج غربية.

س ـ شرفتم بتقديم وتنسيق كتاب فقهي جماعي في باب العبادات ضمن سلسلة فقهية، هل لكم أن تطلعونا على بعض مباحثه وما هي المقاصد المرجوة من تأليفه؟

لقد ألف علماؤنا رحمهم الله عشرات الكتب الفقهية بمناهج مختلفة، ولكن الباحث المعاصر يجد صعوبة في التعامل مع هذه المؤلفات، بله عموم المكلفين، لذلك ارتأى عدد من الأساتيذ أن يكتبوا كتيبا مبسطا في فقه العبادات، أو في المعلوم من الدين بالضرورة، يعتمدون فيه على وضوح العبارة، وسهولة الأسلوب، وبساطة العرض.

وقد تضمن هذا الكتاب الحد الأدنى من حاجة المكلف فيما يتعلق بالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، بأسلوب سهل ومبسط يفهمه العامي وينتفع به الباحث، والله نسأل أن ينفع به كل من أقبل عليه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

تعليقات