الحركة التعاونية بالمغرب: واقع أزمة كوفيد المستجد وإعادة التموقع

الحركة التعاونية بالمغرب: واقع أزمة كوفيد المستجد وإعادة التموقع

الدكتور هشام عطوش:

أستاذ الاقتصاد والتدبير جامعة محمد الخامس الرباط

عضو مجلس إدارة الشبكة المغربية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني

تقديم:

أزمة تحديد مصير الإنسانية، هكذا يمكننا وصف الأزمة المتعددة الأبعاد التي يمر بها العالم اليوم جراء فيروس كوفيد المستجد. والواقع أن هذا الفيروس، مكن من الكشف عن الأعطاب المزمنة الموجودة أصلا والتي نتجت عنها فوارق اجتماعية ومجالية ودولية عميقة.

أزمة، لم تنفع معها الوصفات المجربة، فلا الليبرالية المتوحشة استطاعت أن تجد توازنها، ولا الدولة التدخلية تمكنت بسياساتها الظرفية أن تحمل على عاتقها ثقل النكسات المتراكمة والمتسارعة.

أزمة، لم تصمد أمامها منظمات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، كما كان عليه الحال في أزمة القروض الرهنية المسمومة لسنة 2008، والتي أبانت فيها تلك المنظمات آنذاك عن مناعة مميزة.

أمام هذا المصاب العالمي الجلل، يبحث الكل عن اللقاح المخلص والوصفة السحرية القمينة بتوفير الشروط المثلى للإقلاع الاقتصادي. وقد يكون درس كوفيد المستجد لم يستوعب بعد جيدا، لأن الاقلاع الاقتصادي، على حد تعريف عالم اقتصاد التنمية روستوف في نظرية مراحل النمو الاقتصادي، يحتاج لعوامل الانطلاق، ومنها تأهيل العامل البشري وتوفير رأس المال المادي والشروع في التصنيع. وهي الثوابت التي اهتزت مع الأزمة الحالية، هذا إن سلمنا أنها كانت متوفرة أصلا في كل الدول.

ومن تم وجب في اعتقادنا، التفكير في إعادة التموقع الاجتماعي والاقتصادي للمغرب، والذي من روافده الرئيسة اقتصاد الممانعة، أي الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ومن ضمن مكونات هذا الأخير التعاونيات، والتي لها من المبادئ والمقومات ما يؤهلها للنهوض بكرامة الانسان.

قبل أن ندلي بدلو مقترحاتنا في سوق عجت بالوصفات، لا بد من وقفة مع جسد الحركة التعاونية بالمغرب قبل وأثناء أزمة كوفيد المستجد.

1. الحركة التعاونية بالمغرب: تاريخ وهشاشة:

قد يكون من المسلمات اليوم أن التجربة التعاونية المغربية ضاربة في القدم، وأن الحركة التعاونية المؤسساتية لم تنطلق فعليا إلا بعد الاستقلال، بإيعاز من الدولة التي سخرت لذلك ذراعا تقنيا لتدبير القطاع ممثلا في مكتب تنمية التعاون.

1.1. الحركة التعاونية في أرقام:

يناهز إجمالي التعاونيات حسب معطيات غير منشورة رسميا 27262 تعاونية منها 4025 تعاونية نسائية، ويبلغ عدد المنخرطين ما يناهز 3% من الساكنة النشيطة. أما منخرطو تعاونيات الشباب حاملي الشهادات فلا يراوح 5000 متعاونة ومتعاون على الرغم من معدلات البطالة المرتفعة في هذه الفئة من السكان.

وقد أنشأت أزيد من 21000 تعاونية في سياق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي انطلقت سنة 2005 وفي إطار استراتيجية مرافقة التي شرع العمل بها سنة 2011. وهذا يعني أن الارتباط بدعم الدولة ظل هو الأصل، وهو أمر قابل للنقاش من ناحية المبادئ المتعارف عليها دوليا والتي تتحدث عن الاستقلالية.

ويمكن اعتبار الغالبية العظمى من التعاونيات مقاولات تضامنية صغيرة جدا، في المتوسط أقل من 10 منخرطين وبرسملة ضعيفة. وتنشط هذه التعاونيات أساسا في قطاعات الفلاحة والسكن والصناعة التقليدية، ويبقى تواجدها محتشما في قطاعات استراتيجية من بينها القطاع البنكي والتأمين والصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.

وإذا كان القانون 112.12 قد عمل على تنظيم الحركة التعاونية ابتداء من سنة 2014، إلا أن ذلك لم يمكن من حل المشاكل المزمنة للحركة التعاونية المغربية والمتمثلة في ضعف الحكامة والتدبير والتسويق. بطبيعة الحال هاك استثناءات لهذه القاعدة لتعاونيات رائدة خاصة في المجال الفلاحي وبعض الصناعات التحويلية والتي يمكن اعتبارها الشجرة التي تخفي الغابة.

2.1. واقع التعاونيات ما بعد مارس 2020:

في غياب تقارير وازنة من طرف الوزارة الوصية أو مكتب تنمية التعاون، على غرار ما صدر عن المندوبية السامية للتخطيط بخصوص المقاولات عموما، سنكتفي بسرد نبض الحركة التعاونية على لسان الأصوات التي تتعالى تارة تارة هنا وهناك. فبدخول الحجر الصحي وحالة الطوارئ الصحية حيز التنفيذ، توقف نشاط الحركة التعاونية بشكل شبه كلي، إلا ما كان من تعاونيات كبرى مثل تعاونيات الحليب والتي شهدت تقلصا كبيرا لرقم معاملاتها. ومن الأمور المؤثرة بشكل كبير نجد توقف الأسابيع التسويقية وقنوات التسويق والبيع المباشر والتصدير وتراجع عدد زوار الأسواق التضامنية والتي هي المرتكزات الرئيسة لكسب لقمة العيش في جل التعاونيات.

وتنضاف لذلك صعوبات جمة منها ضعف القدرات التخزينية خاصة حينما يتعلق الأمر بسلع سريعة التلف توقف التموين واستحالة إيصال المنتوج للأسواق خاصة في المجال القروي. وهذه الوضيعة كبدت التعاونيات خسائر يصعب تحديد حجمها في غياب معطيات ميدانية.

ما زاد الطين بلة، هو عدم استفادت السواد الأعظم من التعاونيات من الاجراءات التي سنتها لجنة اليقظة الاقتصادية: القروض المضمونة من طرف صندوق الضمان المركزي غير متاحة للتعاونيات بسبب عزوف الأبناك عن إقراض التعاونيات الصغرى والمتوسطة؛ الاستفادة من المساعدات الممنوحة من طرف صندوق تدبير جائحة كوفيد المستجد والتي صرفت عن طريق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أيضا مستحيلة وذلك راجع لقلة الأجراء في المجال التعاوني وعدم استفادة المنخرطين والمنخرطات من التغطية.

وللأسف الشديد لم يبقى سوى صنف واحد من المساعدات المتاحة والمشروطة بقبول الملف، وهي تلك الموجهة لأصحاب “راميد” أو المشتغلين في القطاع غير المهيكل وكأن الحركة التعاونية قطاع غير منظم. وقد كانت هناك أيضا إعانات للتعاونيات الفلاحية للتقليل من أثار الجفاف، وهنا أيضا من الصعب أن نورد أرقاما.

2. مبادرات محتشمة ومخارج استراتيجية ممكنة:

ماذا بعد الطوفان؟ هل الاكتفاء بإخماد شرارات الأزمة المتطايرة لإعادة الحياة للجسد التعاوني؟ أو أن المرحلة تستدعي وقفة حقيقية مع الذات التعاونية لتجاوز المعيقات البنيوية التي تمنعها من التحليق؟

1.2. مبادرات محمودة غير كافية

وقد اتخذت مجموعة من مؤسسات الدولة مبادرات محمودة، نخص بالذكر منها:

1) تحويل جزء من طلبيات صناعة الكمامات لتصنع في 15 تعاونية في مجال الطرز والخياطة، في أفق توسيع العدد ليصل ل 400 تعاونية والتمكن من انتاج 30000 كمامة في اليوم. ويمكن هنا طرح سؤال جوهري: ماذا بعد صناعة الكمامات؟

2) مساعدة ما يناهز 500 تعاونية، لحد كتابة هذه السطور، لإحداث هوية بصرية Logo وللتسويق عبر منصات الكترونية. وقد تم تسجيل اشكالات عديد مرتبطة بالبيع عن بعد، من قبيل عدم استجابة بعض التعاونيات في أجال معقولة لطلبيات الزبائن. وقد ذكرنا أعلاه بعض الإكراهات التي قد تفسر ذلك.

1.2. نحو إعادة التموقع الاجتماعي والاقتصادي للتعاونيات:

انطلاقا من روح المواطنة والتضامن الذي عبر عليه المغاربة، نخلص إلى أن الاجراءات الظرفية والتي لم تستفد منها جل التعاونيات تضعنا أمام ضرورة البحث عن حلول استراتيجية لإعادة التموقع المرغوب فيه. وللإشارة فقط، فإن الحركة التعاونية في البلدان الرائدة في هذا المجال هي وليدة حركية مجتمعية وتدافع. وما تجربة البرازيل التي دخلت نادي الدول الصاعدة، إلا دليل على تلك الحركية.

وفي انتظار أن نصل لتلك المرحلة التي تتبلور فيها المبادرات التعاونية دون انتظار اعانات الدولة، فلا بأس أن نتدرج منطلقين من الحلول البنيوية الاستراتيجية أسفله:

1) تحيين الاحصاء العام للتعاونيات هو نقطة البدء لمعرفة الديمغرافية الحقيقية للحركة التعاونية وللتمكن من وضع خطة دمج هذا المكون في صلب نموذج التنمية الاجتماعية والاقتصادية والترابية؛

2) الولوجية الفعلية للصفقات العمومية بمبدأ التمييز الإيجابي وتخصيص حصيص اجباري للتعاونيات مشيا على ما هو معمول به بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة؛

3) إحداث نظام المتعاون statut coopérateur ضمانا للحماية القانونية والاجتماعية للمتعاونات والمتعاونين؛

4) تطوير التمويل والتأمين التعاوني لفائدة الحركة التعاونية، على غرار التجربة الكندية؛

5) تطوير سلاسل القيمة والقدرات الانتاجية والروابط اللوجستيكية مع تثمين تجربة التسويق الالكتروني؛

6) تثمين وتطوير تجربة الاتحادات لتوفير الكتلة الحرجة الضرورية للوصول للتجارة العادلة؛

7) تطوير علامة MarocCoop بحكم توفر المغرب على منتوجات مغربية محلية متميزة؛

8) اشراك التعاونيات في المجهود المبذول لإحلال الواردات في قطاعات أخرى غير تلك التقليدية التي تنشط فيها.

9) التدريب والتأهيل والتكوين والابتكار التعاوني في ارتباط وثيق بالمنظومة التربوية والبحثية.

خاتمة:

التعاونية واقع معيش غايته ضمان كرامة الإنسان، ولن يتأتى ذلك بدون إرادة سياسية حقيقية لإعطاء الاقتصاد الاجتماعي والتضامني المكانة التي يستحقها كقطاع أفقي وجب ترسيم مؤسسة عليا خاصة به.
ولا تستقيم أمور الحركة التعاونية بالمغرب بدون فعل مجتمعي مبادر، يتجاوز التقنين والأنانية الفردية ويطلب التضامن العام والعيش المشترك في سفينة تسع الجميع.

سلا، 29 ماي 2020

تعليقات