الإنسان والمعنى

الإنسان والمعنى

د. محمد محمود بن أحمد محجوب: خبير لغوي موريتاني بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية

• ما مفهوم المعنى؟ وما صلته بالإنسان؟

• أين يولد وتنقدح شرارته؟

• كيف ينمو ويتطوّر؟

• فيمَ يتجلّى خطره علينا؟

علاقة الإنسان بالمعنى علاقة وجوديّة؛ فليس بحثه (أي الإنسان)، منذ القِدم، عن إجابات للأسئلة الوجوديّة المرتبطة بالمنشإ والمصير، إلّا محاولة منه لإضفاء “المعنى” على حياته؛ لأن حياةً لا يعرف فيها المرء مَن هو ولا مِن أين أتى، ولا إلى أين يسير تبدو عبثيةً خاليةً من “المعنى”. لكن ما المعنى؟

مع أنّ المعنى هو جوهر الحياة المخبوء في أحشائها- فإن مفهومه يشوبه غير يسير من الغموض.

ولعلّ من أبرز دلالاته ما يأتي:

1) المعنى: ما يقابل العبثيّة والتلقائيّة في الوجود وانتفاء الحكمة والغاية من إيجاده. فالكون- وفقا لبعض المفكّرين (ولا سيّما الوجوديّين) موجود وجودا عبثيّا فوضويّا خاليا من ” المعنى”. ونلحظ صدى هذا الاستخدام في ردّ القرآن الكريم على أصحاب هذا التوجه- أيّا كانوا- في أكثر من آية، كقوله تعالى: ” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ” [الْمُؤْمِنِينَ: 115].

2) معنى الشيء: جوهره وحقيقته وكنهه، وما به “يتقوّم”؛ فمعنى الإنسان بهذا الاعتبار: “أخلاقه وسلوكه”، لا كونه “حيوانا ناطقا”، أو “قردا متطورا”! ومعنى الحياة: حَمْل عِبء الرسالة وعمارة الأرض، والإسهام في بناء الحضارة، والتعاون، وإقامة العدل …

3) المعنى: مجموع المثيرات والاستجابات التي يتعرض لها الإنسان (وهذه نظرة أصحاب المدرسة السلوكية).

4) المعنى: ما يعادل الصدق؛ فالعبارة الصادقة ذات معنى، وغير الصادقة خالية من المعنى (الفلسفة التحليلية).

5) المعنى: كل ما هو قابل للفهم والتفكير، ويتّسع ليشمل جميع التجارب الإنسانيّة. (اللسانيّات المعرفيّة …)

6) المعنى: كل ما كان تجريديّا، أو ذا طبيعة لطيفة: كالفكر والعقل والروح والنفس والحب والبغض والحريّة والشجاعة…

7) المعنى: ما يدلّ عليه اللفظ- أو ما يفهم من اللفظ-. وهو المراد عند الإطلاق. لكن ما مدلول اللفظ (أو مفهومه)؟ هل هو الشيء ذاته الموجود في الخارج (في عالم الأعيان) أم صورته المرتسمة له في الذهن (الشيء في عالَم الأذهان)؟ أصحاب النظريّة الإشاريّة وجلّ الفلاسفة يذهبون إلى الرأي الأول، وأصحاب النظريّة التصوّرية وجلّ اللغويّين يذهبون إلى الثاني.
وقد يكون أقرب إلى الصواب أن نعدّ المعنى “الحقيقي”: تمثيلات ذهنية(1)، وأن نقرّر أنّه مركّب من طبقات: من الصوت والتركيب والدلالة والتداول.

وأبرز سماته:

– الشموليّة: فهو يكاد يكون معادلا للتجارب الإنسانية.

– الزئبقية: فهو مرتبط بالحياة والحياة لا تعرف الاستقرار.

– الغموض: فهو أمر باطنيّ غير قابل للقياس.

– وفرة الفراغات والفجوات إرسالًا واستقبالًا.

*
ينبجس المعنى في الذهن عندما يتفاعل المرء مع محيطه الخارجيّ عبر حواسّه الخمس؛ فهذه الحواس تعدّ أنساق دخل(2) تتمتع بالقدرة الفائقة على معالجة المعلومات وبالسرعة الهائلة في نقلها إلى الأنساق المركزية في الدماغ/ الذهن التي تتولي المعالجة النهائية فتثبت ما تثبت وتنفي ما تنفي.

*
عندما يتطوّر المعنى- تلبيةً للحاجات الحضاريّة والثقافيّة والاجتماعيّة- فإنه يتطوّر غالبا:
– من الحسي إلى المعنوي.
– من الحقيقة إلى المجاز.
– من الدلالة اللغويّة العامّة إلى الدلالة المفهومية الخاصّة (معاني المصطلحات).

وقد يكون التطوّر:

– بتعميم الدلالة.

– أو بتخصيصها.

وربما كان:

– ارتقائيّا
– أو انحداريّا
– أو محايدا (مجرد انتقال/ تغيّر).

*
من أخطر ما يتصل “بالمعنى” في حياتنا وجود “مسافة دلاليّة” بين “مقاصد” المرسِل و”تأويل” المتلقّي. هذه المسافة يضيع بسببها كثير من المحبّة والمودّة بين الأفراد، وكثير من المصالح بين المؤسسات.

ومن أسباب وجود تلك المسافة:

– أنّ اللغة لا تحيل على العالم الخارجي حقيقة؛ بل على “عالم ذهنيّ” بعد أن أخضع الدماغُ العالمَ الحقيقيَّ لإعادة البناء والتنظيم والتصنيف وفقا لطبيعة عمله.

– أن الدماغ- في كثير من عملياته- ميكانيكيّ وانتقائيّ(3) يقوم بملء الفجوات دون إرادة منّا، بأقل جهد عصبيّ ممكن. (ولا غرابة فمتوسّط كميّة المعلومات التي يستقبلها دماغ الفرد في اليوم الواحد مئة مليون ميغا بايت!)

– اختلاف الأنساق؛ فالنسق اللغويّ يباين- مثلا- النسق البصَريّ من حيث تمثيلُ المعنى. فالأخير يدرك من التفاصيل ما لا تنقله اللغة المعتادة.

– الحمولة الإيحائيّة لبعض الدوالّ اللغويّة المتمايزة تبعا لتجارب الأفراد الشخصيّة؛ فلكثير من الكلمات قصص وذكريات في ذهن أحد المتحاوريْن لا توجد في ذهن الآخر.

– منزلة المتكلّم في ذهن المتلقي علميّا ووديّا.

– الحالة الراهنة للمتلقي؛ فهو يفهم- في بعض الأحيان- ما يريد، لا ما يؤدي إليه الخطاب بالضرورة.
ومؤدّى كلّ ذلك أن التمثُّل الذي يُكَوِّنُه المتلقي للخطاب ليس مطابقا لمقاصد مُنتِج الخطاب بالضرورة حتّى لو روعيت مبادئ الحوار وشروطه من تعاون وغيره.

*

والخلاصة:

– أوّلا: أنّنا ينبغي أن نستحضر دائما “المعنى” لا بوصفه مدلولا للفظ؛ بل باعتباره قصدا نحو جوهر الأشياء، وتجاوزا لمظهرها، وباعتباره كذلك الغاية الموجِّهة للحياة. فالإنسان ينبغي أن يكون باحثا عن “المعنى” وبانيا له.

– ثانيا: أن نَعِيَ أنّ التواصل بيننا يتمّ بخطابات ورموز لغويّة مليئة “بالفجوات”، وتؤوَّل بذهن من شأنه الإسراع في ردم تلك الفجوات بما يتناسب مع المؤوِّل لا مع الواقع بالضرورة؛ فيتعيَّن التريّث، قبل الحكم تجنّبا “لسوء التفاهم”.

الهوامش:

(١) للمزيد ينظر في مفهوم البنية التصورية في اللسانيات المعرفية.

(٢) ينظر المعنى والتوافق، مبادئ لتأصيل البحث الدلالي العربي، محمد غاليم، منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، الرباط، ١٩٩٩م.

(٣) ينظر البناء العصبيّ للغة، دراسة بيولوجية تطورية في إطار اللسانيات العرفانية العصبية: د. عبد الرحمن محمد طعمة، كنوز المعرفة، عمّان، ١٤٣٨ه، ٢٠١٧

تعليقات