ابن العربي الحاتمي، مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية

صدر للباحث المغربي عبد الله الجباري كتاب اختار له عنوان “ابن العربي الحاتمي، مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية”، والكتاب على مستوى الشكل من 279 صفحة، يضم مقدمة وفصلا تمهيديا وثلاثة فصول وخاتمة، إضافة إلى لائحة المراجع التي تقارب 140 مرجعا.

أما المحتوى فيمكن اعتبار الكتاب دراسةً تصحيحية لبعض الأغاليط المنسوبة إلى الشيخ الأكبر، إضافة إلى تجلية بعض الحقائق المتعلقة به.

خصص الباحث الفصل التمهيدي للحديث الموجز عن سيرة ومسيرة ابن العربي الحاتمي، خصوصا مواطن الحياة المتنقلة عبر عدد من الأقطار، وأبرز ما في هذا الفصل تصحيحه لبعض الأخطاء، مثل تبيينه وجه الصواب في اسم الشخصية موضوع الدراسة، وأنه (ابن العربي) بالتعريف، وليس (ابن عربي) بالتنكير. ومثل رد دعوى الذهبي أنه كان منقبضا عن الناس.

خصص الباحث الفصل الأول لآراء ابن العربي الحاتمي في العقيدة والتصوف، وهو من مبحثين اثنين، تناول فيه القضايا الآتية:

أولا:

انتساب ابن العربي لأهل السنة، وثناؤه عليهم، ومناظرته للمعتزلة، والتعامل معهم بإنصاف.

ثانيا:

منهجه في الأسماء الحسنى من حيث الثبوت أولا، إضافة إلى تقسيمها إلى:

§        أسماء الذات، ومنها ما أسماه أسماء الاشتراك والأسماء المضمرة.

§        أسماء الصفات، أو أسماء صفات المعاني، مع التركيز على أن الأسماء الإلهية غير مترادفة.

§        أسماء الأفعال، أو أسماء صفات الأفعال، وهي قسمان: صريح ومضمّن.

وتناول المؤلف في هذا المبحث مسألتين اثنتين، هما:

§        هل (رمضان) اسم من أسماء الله تعالى؟

§        هل نفى ابن العربي اسم الله (العلي) من الأسماء الإلهية؟

ثالثا:

طريقة تعامل ابن العربي مع الصفات الإلهية، حيث أشار ابن العربي إلى ثلاثة مسالك: التفويض والتأويل والكشف، وأثنى على الأخير وتبناه، لكن دون التنقيص من المسلكين الآخرين، بدليل ممارسته للتأويل والتفويض، مع التمسك بالضابط الرئيس في الباب وهو مبدأ التنزيه.

رابعا:

رأي ابن العربي في آل البيت الذي أشار فيه إلى طهارتهم الذاتية، وهو رأي تفرد به.

خامسا:

ذكر ما نسب إليه من القول بالحلول والاتحاد، وبيان براءته منه، اعتمادا على كلامه وأقوال الصوفية العارفين بمنهجه.

سادسا:

ناقش الباحث مسألة وحدة الأديان عند الشيخ الأكبر، وبيّن بناء على أقوال ابن العربي المنظومة والمنثورة براءته من هذه الفكرة، وذلك في حوالي عشرين صفحة.

سابعا:

أفرد الباحث مبحثا خاصا لوحدة الوجود، وبيّن رأي الشيخ الأكبر فيها، وأورد أدلته، ومن تميزات هذا الكتاب أنه قارن بين أقوال ابن العربي الحاتمي، وأقوال ابن تيمية الحراني، وخلص إلى التقارب بينهما الذي قد يصل إلى درجة التطابق اللفظي، رغم شهرة ابن تيمية في رفض فكرة وحدة الوجود ونسبة أصحابها إلى الكفر. ليخلص في ص: 100 إلى “أن تكفير ابن تيمية لابن العربي الحاتمي خطأ محض، وإلا لزمنا تكفير ابن تيمية بناء على أقوال ابن تيمية ومنهجه”، لأن الاختلاف بينهما اصطلاحي فقط.

ثامنا:

تناول الباحث ثنائية الشريعة والحقيقة المشهورة في المجال التداولي الصوفي، وبيّن أراء ابن العربي ومواقفه منها، وأنه لم يكن متحللا من الأحكام الشرعية، بل كان داعيا إلى التمسك بها، والاعتصام بحبلها، واعتمادا على أقوال الشيخ الأكبر، يستنتج الباحث “أن الشريعة –عند الحاتمي- ليست مناقضة للحقيقة، وأن الأخيرة ليست ملغية للأولى”. (ص: 104).

تاسعا:

يعدّ القول بإيمان فرعون من أشهر الأقوال التي ليمَ الشيخ الأكبر لأجلها، واتُّخذت ذريعة للنيل منه، وقد قارب الباحث هذه المسألة وفق المنهج الآتي:

§        تجميع أقوال وآراء الشيخ الأكبر في فرعون، وهي من قسمين، أولهما يقول بكفره وخلوده في النار، وثانيهما يقول بقبول إيمانه.

§        سرد خلاصة تركيبية لأدلة ابن العربي حول إيمان فرعون، بتجميعها من مواضع متعددة من الفتوحات المكية.

§        إيراد ملاحظات حول رأيي ابن العربي ومناقشة ما قاله الشعراني وعبد الله بن الصديق الغماري وأنور شاه الكشميري.

§        مناقشة أدلة ابن العربي.

وهو المنهج الذي توسل به الباحث لبيان أمرين اثنين، أولهما مرجوحية رأي الشيخ الأكبر، وثانيهما “أن اجتهاده لا ينقص من قيمته، ولا يوجب الطعن في دينه وعقيدته”. (ص: 121).

عاشرا:

خصص المؤلف مبحثا لتجلية أهم الخصائص الأسلوبية للشيخ الأكبر، وهو الإيغال في الترميز، مع إيراد أمثلة توضيحية من شعره ونثره، ليبين في النهاية خطأ من اعتمد على بعض أقواله لينسب إليه فكرة مؤداها أن العبد رب والرب عبد، وهي التي فندها الباحث اعتمادا على أقوال متعددة لابن العربي، منها: “فالرب رب إلى غير نهاية، والعبد عبد إلى غير نهاية”.

أما الفصل الثاني، فخصصه الباحث إلى صفتين من صفات الشيخ الأكبر، وهما صفة الفقيه وصفة المجتهد.

بالنسبة لابن العربي المحدث، حاول الباحث تتبع شيوخه ومسموعاته وعنايته بالإسناد ومصنفاته الحديثية، إضافة إلى إيراد نماذج من نقده الحديثي، وختم هذا الفصل بمسألتي التصحيح والتضعيف بالكشف، وتعلق ابن العربي بالسنة بسبب رؤيا رآها رحمه الله.

 أما مبحث ابن العربي الفقيه، فتطرق فيه الباحث إلى أنه لم يكن منتسبا إلى مذهب، خلافا لمن نسبوه إلى الظاهرية، وأنه مخالف لهم في نظرته للإجماع والقياس على مستوى الأصول، ومخالفته لهم في مجموعة من الآراء الفقهية على مستوى الفروع، ومخالفته لهم في التعليل على مستوى المنهج.

وأفرد الدكتور الجباري الفصل الأخير لإيراد أقوال ومواقف العلماء من ابن العربي، وصنفها إلى:

§        العلماء المكفرون. منهم ابن تيمية وأبو حيان الأندلسي والبقاعي والتقي الفاسي والسخاوي.

§        العلماء المتوسطون، ومنهم الذهبي وابن كثير واليافعي.

§        العلماء المثنون، من معاصريه وممن بعدهم من محدثين وفقهاء المذاهب الأربعة، مثل ابن نقطة الحنبلي وأبي شامة المقدسي ومحمد صديق خان القنوجي وغيرهم كثير.

§        العلماء المتراجعون عن الذم. مثل الشوكاني.

وختم الباحث هذا الفصل بمناقشات دقيقة للعلماء المكفرين، كابن تيمية الذي تبين أنه بنى تكفيره على أقوال لا تصح، منها الحلول والاتحاد، الذي تبرأ منه ابن العربي بالعبارة الصريحة، في حين أن ابن تيمية نفسه وقع في القول بنوع من الحلول والاتحاد.

وقسّم خاتمة الدراسة إلى ست فقرات/إشارات، منها إشارته إلى الاعتماد على كتب ابن العربي مباشرة، وعدم الاكتفاء بالواسطة في الدراسة، وهي مسألة منهجية، تبين من خلالها أن الرجوع إلى المتن الأكبري يبين براءة ابن العربي من كثير من المنسوب إليه مثل الحلول وأفضلية الولي على النبي وقدم العالم وغيرها.

والكتاب في الحقيقة (مطارحات نقدية) حقيقية، لأنه يتضمن بين ثناياه مناقشات متعددة، سواء على مستوى المتن أو الهوامش.

يشار إلى أن الكتاب صدر عن دار الأمان بالرباط/المغرب شهر يوليوز 2019، وهو من الكتابات التي ستعمل على إغناء الخزانة الصوفية عموما، والدراسات الأكبرية على وجه الخصوص.

تعليقات