واقع العنوسة في المجتمع السعودي المعاصر الاتجاه والمعالجات المقترحة

واقع العنوسة في المجتمع السعودي المعاصر الاتجاه والمعالجات المقترحة

د/ نوره ناصر الحمودي

أكاديمية في قسم علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة الملك عبد العزيز


تبدو العنوسة أو تأخر سن الزواج كإحدى المشكلات المرتبطة بالحياة الحضرية بشكل كبير، فقلما نجد مجتمعاً حضرياً تنخفض فيه معدلات العنوسة، كما أنه من النادر أن نجد مجتمعاً من المجتمعات البسيطة يرتفع فيه معدل هذه المشكلة، وابتداءً للتعريف بمصطلح العنوسة نعود لتوضيح الهيئة العامة للإحصاء بأنَّ (العنوسة) إحصائياً: “تعبير يستخدم لوصف النساء اللاتي تعدين سن الزواج (المتعارف عليه في كل بلد) والذي تقل احتمالية الزواج بعده وهو سنٌ يختلف من دولة إلى دولة، بل ويختلف في نفس الدولة بين فترة زمنية وأخرى”  (الهيئة العامة للإحصاء، توضيح بخصوص نسبة العنوسة في السعودية، د.ت).

إذاً فمفهوم العنوسة هو مفهوم نسبي يختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر كما ورد في التعريف، وبعد أن كان الأجداد ينظرون لفتاة السادسة عشر أنها أشرفت على سن العنوسة، ارتفع هذا العمر إلى الثامنة عشر والعشرين والخامسة والعشرين حتى تجاوزنا عمر الثلاثين كعمر يحدد سن العنوسة في المجتمع السعودي، فمنذ ما يزيد عن عشر سنوات كان سن العنوسة هو عمر الثلاثين لدى الفتاة حيث توضح نتائج المسح الديموغرافي لعام 1428هــ والمتعلقة بالسن عند الزواج الأول أن (97.4%) من الإناث السعوديات قد تزوجن عند أعمار أقل من أو تساوي (30) سنة وأن (2.6%) فقط منهن قد تزوجن عند اعمار تزيد عن (30سنة) ومن ثم تم اعتبار العمر (30سنة) هو سن العنوسة في تلك الفترة الزمنية بالنسبة للسعوديات. (الهيئة العامة للإحصاء، 1428هــ، ص 7).

فيما أشارت نتائج المسح الديموغرافي والذي أجري في الربع الثالث من عام 1437ه والذي شمل كافة مناطق المملكة أنه يمكن اعتبار أنَّ سنَّ العنوسة في المملكة العربية السعودية يبدأ بعد عمر الـ (32) سنة. (الهيئة العامة للإحصاء، توضيح بخصوص نسبة العنوسة في السعودية، د.ت).

إذاً ففي خلال ما يقارب عشر سنوات نجد بأن سن العنوسة قد ارتفع عامين فقط لا غير، وإن نظرنا لمعدل العنوسة الحالي في المجتمع السعودي، نجد أن النسبة بين السعوديات هي: 10.07% (بمعنى أنه بين كل 10 من الإناث السعوديات اللاتي بلغن 15 سنة وأكثر هناك واحدة يمكن أن توصف أنها بلغت سن العنوسة)فيما بلغ عدد السعوديات المصنفات عوانس: 227.860 أنثى سعودية تجاوزت عمر 32 سنة ولم تتزوج(الهيئة العامة للإحصاء، توضيح بخصوص نسبة العنوسة في السعودية، د.ت).

وتظهر نتائج المسح المتعلقة بالعمر عند الزواج الأول أن متوسط العمر عند الزواج الأول للسعوديين الذكور بالمملكة هو (26.3) سنة وأن متوسط العمر عند الزواج الأول للسعوديين الإناث هو (21.8) سنة. (الهيئة العامة للإحصاء، 2016م، ص 21).

ومن خلال العودة لنسبة السعوديات المصنفات عوانس والتي بلغت 10.07% ، يمكن القول أن هذه النسبة حتى الآن ليست من النسب المقلقة، ولا تعتبر مشكلة العنوسة من المشكلات البارزة الملحة في المجتمع السعودي، وإن كانت الاحصائيات تقول أن عدد الإناث السعوديات اللاتي بلغن (15 سنة فأكثر) هو (6.854.547) مليون منهن (2.261.946) أنثى سعودية لم يسبق لهن الزواج،(الكتاب الاحصائي السنوي 2016م، العدد 52)  إلَّا أنه لابد ألا يغيب عن أذهاننا أن الإحصائية تشمل النساء دون سن 32 سنة واللواتي يتزوجن غالبيتهن قبل بلوغ سن العنوسة وذلك عند عمر الواحدة والعشرين، وبهذا فإنه على المدى القريب (عشر إلى خمسة عشر سنة) يتوقع أن يكون معدل العنوسة معدلاً منخفضاً على العموم كما هو اليوم.

وفي رأيي أن المشكلة التي تستدعي ضرورة دراستها والعمل على معالجتها هو تأخر سن الزواج الناجم عن اختيار الشخص وليس لظروف جبرية خارجة عن إرادة الإنسان، وتأخر سن الزواج الاختياري يعود لاختيار الفرد نفسه بعدم الزواج لوجود أسباب معينة، فالعزوبة الاختيارية كما يرها عمر (2004م ، ص 245) هي العزوبة التي تدخل الإرادة الذاتية في اتخاذ قرارها، دون أي ضغوط خارجية على الفرد، وفي هذا النوع من العزوبة يعود قرار عدم الزواج إلى عدة عوامل منها حب الذات، والأنانية المفرطة للاستمتاع بترف الحياة العابثة غير المرتبطة بالتزامات الحياة الاجتماعية الجادة، كما تعد التجربة الذاتية الفاشلة أحد العوامل التي تجعل المرء يقف من الزواج موقفاً سلبياً.

وهذا ما يلاحظ في المجتمعات الحضرية التي تحتوي العديد من العوامل والمشكلات التي قد تدفع الإنسان إلى العزوف عن الزواج واتخاذ قرار عدم الزواج أو تأخيره، فمع هذا الانفتاح المشاهد في غالبية المجتمعات حالياً ومنها المجتمع السعودي ارتفعت المعايير المطلوبة في الزوجة من جمال ورومانسية ومعها علم ومهنة تمارسها، وأحياناً يشترط الشاب أن تكون زوجة المستقبل شبيهة بفلانة الممثلة أو الفاشنيستا (المهتمة بالموضة)، وأصبح بعض الشباب يعيش على أمل أن يصل لهذه الزوجة التي تحمل عدة مواصفات قد يصعب إيجادها على أرض الواقع، وكذلك الحال بالنسبة للفتاة التي حملت لها وسائل الإعلام معاييراً جديدة للزواج ليس بينها مجرد الرغبة في الستر كما كان الهدف سابقاً، بل يغلب عليها الجانب المادي، وأحياناً العاطفي.

أيضاً الزواج قد يرُفض من قبل الرجل لتمتعه بالحرية المطلقة وعمله على إشباع احتياجاته الجسدية والعاطفية بطرق غير مشروعة، خاصة مع توفر التقنيات والبرامج العصرية التي تتيح له هذا الأمر، كما قد يعمل البعض من الرجال أو الفتيات على تأخير الزواج أو رفضه نتيجة للتنشئة الأسرية الخاطئة التي لم تنمي فيه حس المسؤولية وبالتالي فهو يتهرب من الزواج رفضاً وبعداً عن هذه المسؤولية المترتبة عن الزواج وما يكون فيه من أطفال وواجبات.

يضاف لما سبق ارتفاع معدل الطلاق الفعلي، فقد بلغ إجمالي صكوك الطلاق المثبتة في محاكم المملكة لعام 1440ه (51.125) صكاً بمعدل (140) صك يومياً (الإدارة العامة للإحصاء والدراسات، 1440هــ، ص81).

هذا عدا حالات الطلاق الصامت والفشل في الحياة الزوجية بالعموم والذي يرسم صورة نمطية سلبية في أذهان الشباب عن الزواج، مع ما يكون في وسائل الإعلام من مسلسلات تحكي عن هذا الواقع السلبي بشكل مبالغ فيه، ونكت تساهم في تعزيز هذه الصورة النمطية السلبية عن الزواج وسلوكيات الزوج والزوجة فيه.

ومع ما تثبته بعض الدراسات السابقة مثل دراسة حسن (2002م) من علاقة بين غلاء المهور والعنوسة. إلا أن هذه العلاقة كما يبدو قد بدأت تتراجع عن أن تكون في رأس قائمة أسباب العنوسة، أمام مشكلات أخرى تلامس فكر الشباب وقيمهم ومعاييرهم الأخلاقية، مع ما للجانب الاقتصادي من أهمية في اتخاذ قرار الزواج سواء عند وجود البطالة أو انعدام الأمان الوظيفي عند العمل في القطاع الخاص، أو ارتفاع تكلفة الزواج بالعموم وليس المهور الثابتة إلى حد ما منذ ما يقارب العشرين عاماً.

ومن الأهمية الإشارة كذلك إلى تداخل مشكلة العنوسة وتأخر سن الزواج مع مشكلة عضل الفتيات وحرماهن من حق الزواج، والذي جرَّمته وزارة العدل ومنعت أيضاً إجبار المرأة على من لا تريد الزواج منه. (وزارة العدل، 1442ه) ويبدو أن هذا التجريم قد جاء بعد الكشف عن وجود العديد من حالات العضل في المجتمع السعودي، فقد أكد تقرير صادر عن وزارة العدل أن محاكم الأحوال الشخصية في جميع المناطق في السعودية قد استقبلت في العام 2015م 701 قضية عضل، وذلك من فتيات رفض أولياء أمورهن تزويجهن من رجال يوصفون بالكفاءة، (هشام، 2015م) وفي حالات العضل يمكن أن تلجأ الفتاة أو لا تلجأ للقضاء لحل مشكلتها، وغالباً إن لجأت للقضاء فهذا يكون بعد اقترابها من نهاية سنوات الخصوبة وبعد أن تكون قد تأثرت نفسياً واجتماعياً بما مرت به من تجربة، وبذلك يمكن الربط بين مشكلتي عضل الفتيات والعنوسة في المجتمع السعودي.

ورغم أن العنوسة أو تأخير سن الزواج يكون اختيارياً في كثير من الحالات إلا أن هذا لا يمنع الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على البقاء بلا زواج لفترة طويلة، حيث تكشف نتائج بعض الدراسات عن أن مستوى الضغوط النفسية لدى المتأخرات عن الزواج وصل إلى 65% (سمور،2015م، ص 133).

هذا عدا أن العنوسة وتأخير سن الزواج أحد أسباب الانحرافات السلوكية، وكذلك مؤثر قوي على معدل الخصوبة في المجتمع فأفضل سنين الخصوبة لدى المرأة بدأت تتراجع في المجتمع السعودي، ليضيع ما يزيد عن خمسة عشر عاماً من هذه السنين، ولمبررات يمكن العمل على حلها بتكاتف الجهود الرسمية وغير الرسمية.

ومن خلال ما سبق يمكن القول أنَّه لابد من اتخاذ التدابير الكافية لحل مشكلة العنوسة وتأخر الزواج خاصة الاختياري منه، وهذا يتم من خلال العمل على عدة أصعدة منها القنوات الرسمية والتي لابد أن تعمل على تذليل الصعوبات والحد من ارتفاع معدل البطالة من خلال التطوير المستمر في البلاد وكذلك تحسين أنظمة العمل خاصة عند وجود مشكلات اقتصادية ناتجة عن تغيرات مفاجئة في المجتمع غير متوقعة، كما حدث مع جائحة كورونا والتي نتج عنها حتى الآن خسارة كثير من العمال والموظفين لوظائفهم في العديد من دول العالم.

كما على القنوات الرسمية ممثلة في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية العمل على تقديم المزيد من البرامج التوعوية والعلاجية والتي تساهم في الوقاية من المشكلات الأسرية وعلاج ما وجد منها مما يعطي الأمل لدى أبناء الأسر اللذين يعايشون الواقع السلبي ويجعل نظرتهم إيجابية تجاه الزواج.

وسائل الإعلام كذلك عليها جانب من المسؤولية والتدقيق فيما يُطرح من برامج ومسلسلات تساهم في تعزيز النظرة السلبية للزواج، فرغم وجود العديد من النماذج السلبية على أرض الواقع إلا أن هذا ليس مبرراً لعدم طرح النماذج الإيجابية إعلامياً وبشكل متكرر يسمح بطمس الصور السلبية وتثبيت الإيجابية منها.

من مقترحات العلاج كذلك لمشكلة العنوسة أهمية العودة للعائلة الممتدة بثوب عصري ترتفع معه سلبيات الحياة في ظل هذه العائلة مثل التدخل في الخصوصيات وعدم توفر الخصوصية الكافية للزوجين في مسكن ملائم يحقق هذا المطلب، وإن تحقق هذا الأمر فإنه مما قد يشجع الفتيات على الزواج في سن صغيرة وإن كن على مقاعد الدراسة طالما هناك أسرة تدعم وتساعد على تجاوز صعوبات الحياة ورعاية الأبناء، كما أن الحياة في ظل عائلة ممتدة يخفف كذلك من الالتزامات الاقتصادية الضاغطة في عصر اليوم.

ومن المقترحات الوقائية المنمّية لشخصية الفرد الإيجابية رفع معدل مشاركة الفتيات والفتية في الأعمال التطوعية توافقاً مع رؤية 2030م والتي تهدف لرفع معدل التطوع إلى مليون متطوع سنوياً في القطاع غير الربحي مقابل 11 ألف الآن (الممكة العربية السعودية، رؤية 2030م، http://vision2030.gov.sa/ar/node/12، تاريخ الدخول 12/7/1439هــ.)

فهذه المشاركات تنمّي في الشباب فتيات وفتية روح المسؤولية وتجعلهم أكثر تقبلاً وانفتاحاً على بناء حياة زوجية وأكثر مهارة في طرق حلول المشكلات بأنواعها.

وأخيراً فإن للعنوسة وتأخر سن الزواج علاقة ارتباطية عكسية بالأمن الاجتماعي ولهذا الأمن أهميته العظمى في حفظ استقرار وتوازن المجتمع، وهذا يتحقق من خلال العمل على الوقاية من المشكلات والعمل على علاج ما يظهر منها.

المراجع:

  • حسن، محمد صديق(2002م)، ظاهرة العنوسة: أبعاد المشكلة الأسباب والدوافع، مجلة التربية قطر، السنة 31، العدد 142، الصفحات من 52-67.
  • سمور، أماني خليل(2015م)، تقدير الذات وعلاقته بالضغوط النفسية والمساندة الاجتماعية لدى الفتيات المتأخرات في الزواج في محافظات غزة، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الإسلامية غزة، كلية التربية.
  • عمر، معن خليل (2004م)، علم اجتماع الأسرة، عمان، دار الشروق للنشر والتوزيع.
  • المملكة العربية السعودية، رؤية 2030م، http://vision2030.gov.sa/ar/node/12، مسترجع بتاريخ 3/12/1442هــ.
  • المملكة العربية السعودية، الكتاب الاحصائي السنوي 2016م، العدد 52، الفصل الثاني السكان، https://www.stats.gov.sa/ar/866-0، مسترجع بتاريخ 25/11/1442هــ.
  • المملكة العربية السعودية، الهيئة العامة للإحصاء، المركز الإعلامي، توضيح بخصوص نسبة العنوسة في السعودية، https://www.stats.gov.sa/ar/news/127 ، مسترجع بتاريخ 3/12/1442هــ.
  • المملكة العربية السعودية، الهيئة العامة للإحصاء، ملامح رئيسية: المسح الديموغرافي لعام 1428هــ.
  • المملكة العربية السعودية، الهيئة العامة للإحصاء، المسح الديموغرافي 2016م.
  • المملكة العربية السعودية، وزارة العدل، (1440ه) الكتاب الإحصائي السنوي، الإدارة العامة للإحصاء والدراسات.
  • هشام، شروق، ارتفاع قضايا عضل الفتيات في السعودية، (29/9/2015م)، https://www.hiamag.com/، مسترجع بتاريخ 14/11/1442ه.
  • وزارة العدل، المركز الإعلامي، الأخبار، 20 قراراً عدلياً تعزز حقوق المرأة السعودية في مرافق القضاء، صدر بتاريخ 11/4/1442ه، https://www.moj.gov.sa/ar/MediaCenter/News/Pages/NewsDetails.aspx?itemId=505، مسترجع بتاريخ 1/12/1442ه.

تعليقات