سوسيولوجيا الخبرة والخبراء 6: سلطة الخبراء: انتصار الخبرة واهتزاز الديمقراطية الجز ء 1

تقديم:

تمثل الإستشارة العلمية للخبراء إحدى ركائز الدولة الحديثة، فمنذ الثورة العلمية، أضحت الحاجة ماسة إلى خبراء كجزء من الحركة التقنية الحديثة التي تلت تلك الثورة، وخاصة خبراء مختصون وقادرون على القيام بالإدارة والتنظيم، ويمثلون جهاز تحكم عن بعد بالنسبة للسلطة السياسية. وقد سلطت أزمة “فيروس كورونا” الضوء على أهمية هذه الإستشارة وعلى دور الخبراء والمؤسسات الراعية للخبرة. لكن دور الخبراء واللجان المكونة لهم بدأ يثير الشك وعدم الثقة، بسبب ما يصدر من قرارات لها انعكاسات على الاجتماعي والاقتصادي والنفسي. ثم إن الحديث عن الخبرة والخبراء يخلق حساسيات وتوترات كبيرة في ظل الأزمات، فحين تطفو على السطح مشكلة صحية أو اقتصادية أو تقنية فإن أسهم الخبراء يرتفع منسوبها، وبالتالي فإن أي نقد موجه لهم يصبح مقلقا ومزعجا، بل ربما مثيرا للسخرية، فلا صوت يعلو في ظل الأزمات فوق صوت الخبراء. من هنا نود مناقشة هذه الوضعية، التي تفرض سؤالا أساسيا يرتبط بأحقية الخبراء في امتلاك شرعية القرار، وتقرير مصير مجتمعات وشعوب بأكملها، والحسم في قرارات لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية ونفسية على الأفراد والجماعات. فهل الحاجة إلى الخبرة تسمح بضرب بعض أسس الديمقراطية؟ هل سقط القرار السياسي في يد الخبير؟ كيف يمكن دمج العلوم الإنسانية والإجتماعية في الخبرات ذات الخلفية التقنية أو الصحية؟

المطلب الأول: أهمية الخبرة في تطوير عمل المؤسسات

1- الخبرة والدولة الحديثة

كمحاولة لمعالجة هذا السؤال يمكن العودة إلى فلسفة القدامى، فالقول الشهير لأفلاطون بأنه ليس هناك أي أفق للدول التي لا تتسلح بالفلسفة، معتبرا أن الفلاسفة مالم يصبحوا ملوكًا في الدول، أو الملوك فلاسفة حقيقيين وجادين، …، فلن يكون هناك راحة من الشرور التي تصيب الدول (أفلاطون. 1994: 326)، جعلت الإقتصادي الكندي “جيرارد بلانجي” (Gérard Bélanger) يتساءل مرة أخرى قائلا: “ألا ينعكس انحياز أفلاطون لمكانة الفيلسوف في عالم السياسة قديما، على توصيات جماعات الخبراء اليوم، لمنحهم دورًا مستقلاً في البرامج الحكومية؟”(جيرارد، ب. 2015).

لقد تغير دور الدولة في معظم الدول الحديثة، وهذا التغير سيعرف تطورا خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. “لقد جاءت الثورة العلمية نتيجة للتحولات التي عرفتها أوروبا منذ القرن السادس عشر” (بناصر، ب. 1998: 13)، إنها ثورة ستشمل كل مرافق الحياة العلمية، والإجتماعية، والعقدية، والمؤسساتية وستشمل كل تفاصيل الحياة اليومية. وهنا أضحت الحاجة ماسة إلى خبراء كجزء من الحركة التقنية الحديثة التي تلت تلك الثورة، وخاصة خبراء مختصين “وقادرين على القيام بالإدارة والتنظيم والتحكم وتعزيز الثقة بين مختلف الجهات الفاعلة”(كرابي، ف. 2009: 167). إنهم يمثلون شكلا جديدا من المعرفة العلمية تقدم نفسها كوسيط عملي لا غنى عنه، أو بمثابة جهاز تحكم[1] عن بعد بالنسبة للسلطة السياسية، مما دفع إلى بروز مفهوم “خبير الدولة”، الغاية من وجوده “التحكم في المعارف”(دلماس، ك. 2011: 15) باعتباره متخصص منحدر من مؤسسات ذات تكوين عال مثل “المدارس الوطنية للإدارة” و”المدارس التطبيقية” و”المتعددة التخصصات”. لكن هذا النموذج “الفرنسي” الذي تحدث عنه “كورين دلماس” (Corin Delmas) لم يكن كافيا، بسبب بروز خبرات وكفاءات نادرة تم تكوينها خارج هذه المؤسسات وخاصة في دول أخرى، أو ما يمكن تسميته بالخبرة الخارجية. هذا القصور في تكوين خبرات تتطلبها المستجدات الاقتصادية والإجتماعية والبيئية والصحية، هو الذي رفع من مستويات الاستشارة والطلب العمومي، بل رفع معه من الإستعانة بمراكز ومكاتب للخبرة، بل إن وجود هاته المراكز جاء أساسا نتيجة لهذا السياق التاريخي والمجتمعي. فبدأت مراكز الخبرة ومكاتب الدراسات تنمو شيئا فشيئا ضمن المجتمعات الغربية، تبعا لارتفاع الطلب عليها والحاجة إليها. فارتفاع منسوب الحاجة إلى الخبرة سيعرف قفزته الكبرى مع بداية ظهور المؤسسات الدولية، مجلس الأمن، الأمم المتحدة، البنك الدول، إلخ. ويفسر ذلك حاجة هذه المؤسسات للخبرة والخبراء في أنشطتها وبرامجها التدخلية، ومن ثمة إلى مكاتب وسيطة دولية ومحلية.

2- إسهام الخبرة في تطوير المؤسسات

إن الخبرة العلمية وصنع القرار العام تتطور علاقتهما يوما بعد يوم. فهناك العديد من العوامل التي تفرض هذا التطور، داخليًا وخارجيًا، حيث يتم التركيز على الأداء والفاعلية ضمن العديد من المؤسسات في عملية صنع القرار على أساس الخبرة العلمية، بل إن الأزمات التي تمر منها العديد من الدول وحتى الأوروبية منها، يوضح جيدًا أهمية التعاون الوثيق والفعال بين الخبراء وصانعي السياسات، فأزمات مثل الأمن الغذائي، وجنون البقر ، أو خطر وبائي كأنفلونزا الطيور ، … ثم جائحة كورونا، تجعل صناع القرار بحاجة للعمل عن كثب وبكفاءة عالية وسرعة، إلى جنب المتخصصين في هذه الأخطار وغيرهم من الخبراء، لتلافي انعكاساتها الخطيرة على السكان المدنيين.

هذا وإن تطوير المواطنة نفسها يمر عبر الخبرة العلمية، ويرسم طريقًا جديدًا لصناع القرار عام، إذ أن تطور الحياة اليومية ينتج مفاهيم تتبلور انطلاقا من التفاعل بين المواطنين والخبراء والمؤسسات، وهناك أمثلة عديدة في هذا الإتجاه، نذكر من بينها المثال الذي عرضه السوسيولوجي الفرنسي “جون إيف تريبو” (Jean Yve Trepos)، إذ أن مطار ماستريخت” بهولندا كان يسبب إزعاجا كبيرا للساكنة المجاورة له بالليل، وهو ما لا يسمح بتمديد زمن حركة الطيران الليلية. فتم بناء مدرج آخر، لكن ذلك لم يكن كافيا للقضاء على الإزعاج الذي تسببه تلك الضوضاء. من هنا ارتفع للسطح نقاش أطرافه ثلاثة فئات، إدارة الطيران من جهة والمواطنين/(الساكنة) من جهة أخرى، ثم الجهات الممثلة للسلطة الإدارية والقانونية. ستركز المناقشة على تعريف مفهوم “الليل”، إذ تُعرّف الحكومة رسميًا “النواة الأساسية لليل” (بين الساعة الواحدة ليلا والساعة الرابعة صباحًا). ثم يتفق الخبراء من الأطراف المختلفة على تحديد “نواة واسعة لليل”(بين الساعة الواحدة والساعة 5:30 صباحًا) وهي الفترة التي يتم خلالها حظر الطيران، بالإضافة إلى ذلك، يُحظر الإقلاع والهبوط بين الشمال والجنوب خلال الليل الكلاسيكي (من الساعة 23:00 صباحا إلى الساعة 06:00 صباحا). هنا تتغذى الخبرة على المواجهة والنقاش بين الخبراء والمواطنين، “إنه وضع مثالي للمواجهة بين الخبرة وشكل من أشكال المواطنة”(تريبو، ج. 2001: 36).

إن هذا الوضع التفاعلي بين متطلبات الواقع ومستجدات التقنية والعلم، هو الذي يدفع الإدارة والمؤسسات بشكل عام إلى تجويد قراراتها وإنضاجها من خلال الخبرة. وهو الذي يبدو جليا أيضا في التقاليد البريطانية حيث تصبح العلوم الاجتماعية وتحديدا علم الإجتماع ملتصقة بالسياسات العمومية وبالواقع الاجتماعي. ناهيك عن التأثر الذي أحدثه “ديفيد هيوم” في هذه التقاليد، فالخبرة ضمن المدرسة البريطانية ذات نزعة تجريبية كما نبه إلى ذلك “توماس سيمي” (Thomas Simey)[2] عندما اعتبر أن “العلوم الاجتماعية في انجلترا تعاني من تأثير هيوم”(رودريكيز، ج. 2018: 873). هنا أضحت الخبرة إدارة اجتماعية تحتك بالواقع كما أن قضاياها مجتمعية، لذلك “أضحت شخصية الباحث تتآكل لصالح الخبير”(لشكر، ن. 2021: 39)، حيث أخرج هذا الأخير الباحث من برجه العاجي ليضخ معرفته في الميدان، ويضع مهاراته في خدمة الإدارة أو العمل السياسي أو النقاش الاجتماعي.

إن ارتباط الخبرة بسياقاتها أكثر من ارتباطها بالمبادئ الفلسفية والأخلاقية، ثم التغيرات التي طرأت على المجتمعات، كالبطالة، الهجرة، العنف، عدم الاستقرار، تجعل التقارب بين التخصصات العلمية (سوسيولوجيا، طب، هندسة، إلخ) والتدخل السوسيوتقني والطبي مسألة لابد منها. وبذلك يلعب الخبير دور الوسيط بين الطرفين بامتياز. فالخبير بهذا المعنى لا يتحدد وجوده من خلال تقديم معرفة إضافية في تلك الموضوعات، بل هو مستعد لإعادة اكتشافها وتقديم حلول متكاملة للسياسيين، وهنا تصبح المعرفة الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من عملية تأثير مباشر وغير مباشر، حيث تتفاعل مع السياسة من خلال الرأي العام وشبكات التواصل[3]، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام العلاقة الشائكة بين “المعرفة والسلطة”[4].

المطلب الثاني: بين الحاجة للخبراء وضرب الديمقراطية

1- بين الحاجة للخبراء والحذر منهم

إذا كانت المهمة الأساسية للعلم هي إنتاج المعرفة حول العالم والإنسان بشكل عام، إلا أنه يقوم على فرضيات ينبغي التحقق منها من خلال الملاحظات والتجارب، كما أنه يخضع للنقد الجماعي. “إنه يتوقع أزمات مثل الاحتباس الحراري مع وضع وسائل العمل للحد من هاته الظاهرة مثلا. أو أنه يمهد الطريق نحو تقنيات جديدة للهندسة الجينية، كما فعل الحائزين على جائزة نوبل سنة 2020، عالمة المناعة الفرنسية “إيمانويل شاربنتييه”(Emmanuelle Charpentier) والكيميائية وعالمة الإحياء الأمريكية “جينيفر دودنا” (Jennifer Doudna). وبالتالي، فإن التداخل المتزايد بين العلم والتقدم التكنولوجي يجعله يلعب دورًا في تطوير السياسات العامة، في مجالات مثل الصحة والطاقة والنقل، إلخ” (بابون، ب. 2021)، بل “سيساهم أيضا في تطوير القضاء والقوانين”(لشكر، ن. 2021: 98). وهنا يأتي دور الخبرة كثغرة بين التطور العلمي والمستجدات التقنية من جهة وبين المؤسسات والسياسات العامة من جهة أخرى.

رسم بياني يوضح طبيعة العلاقة التفاعلية بين الخبرة والعلوم والتقنية والمؤسسات[5].

إن القرارات التي تصدر عن المؤسسات يتم الترويج لها إعلاميا على أنها قرارات مبنية على استشارات فنية، تمثل فيها الخبرة الثغرة التي تنفذ منها المستجدات العلمية نحو تلك المؤسسات ومن خلالها نحو تأهيل وتطوير المجتمعات أو حمايتها من المخاطر. غير أن طريق الخبرة مليء بالمزالق، الشيء الذي يرفع من حدة النقاش والتشكيك في القرار الذي يستمد شرعيته من الخبرة العلمية، والسبب هو اصطدامه مع الجوانب الاجتماعية والإقتصادية للمواطنين، من هنا تطفو على السطح بين الفينة والأخرى برامج إعلامية تستضيف باحثين وخبراء، لعرض الأسئلة التي يطرحها المواطنون على الطاولة، فخلال ندوة علمية جمعت كل من السوسيولوجي “رافاييل دو مناكوري” (Rafael Encinas de Munagorri)، وطبيب الأمراض الصدرية “باتريسيا لومارشون” (Patricia Lemarchand) بمعية الصحفي المختص في الشؤون العلمية “ماتيو كروسو” (Mathieu Grousson)، كانت التساؤلات الممهدة للحوار هي: “هل الموجات الكهرومغناطيسية خطرة؟ هل يجب أن نغلق مصنعا (..)؟ هل يجب على الحكومة فتح المتاجر أيام الأحد؟”[6]، إن مثل هاته الأسئلة ستصبح أكثر إلحاحا خاصة مع جائحة كورونا (Covid-19) التي عرفها العالم، لذلك يعتبر “رافاييل” أن الحياة الديمقراطية اليوم تمر بأسئلة لا تتطلب أبدًا إجابات بسيطة. فهي “تتطلب أدوات قياس معقدة ومعدات علمية وبروتوكولات تجريبية لكنها مدعوة للدخول إلى مرحلة النقاش الديمقراطي”[7].  ذلك أن التأثير الاجتماعي والإقتصادي لبعض القرارات سيؤجج النقاش حول تلك العلاقة التفاعلية، وتحديدا مع ما عرفه العالم من حجر صحي الذي عرفه نتيجة هاته الجائحة، فهل يملك الخبراء النفوذ والقوة التي تمكنهم من توجيه القرار بطريقة غير ديمقراطية؟

حاول الفيزيائي الفرنسي بيير بابون “Pierre Papon” أن ينخرط بدوره في هذا النقاش في مجلة تعنى بالعلوم الإنسانية، حيث عرض وجهات النظر المختلفة حول الموضوع، والتي يرى بعضها أن الخبراء ليس لهم حتى الآن تأثير كاف على العالم السياسي. “فإذا كان لديك على سبيل المثال مشكلة في محرك سيارتك، فإنك لن تستدعي سباكًا… فلا يجب أخذ السلامة إلا من قبل خبراء الصحة والأشخاص المؤهلين مثل علماء الأوبئة “(بابون، ب. 2021). وأما وجهة النظر الأخرى فترى أن الخبراء يتمتعون بسلطة كبيرة، حيث يصرح البعض قائلا “أنا مستقل، لدي قاعة للألعاب الرياضية وهي مغلقة حاليًا للمرة الثانية. أرى المتاجر أعيد فتحها، وسمح باستئناف الأنشطة التجارية الأخرى مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي، ولكن يجب أن تظل قاعتي مغلقة، أود أن أعرف ماذا سأفعل، ربما يكون السياسي هو من يقرر، ولكن ذلك تم بمشورة الخبراء”(بابون. ب. 2021). لذلك يعتبر هذا الأخير أنه من الجيد أن يتم نصح السياسيين من قبل الخبراء، لكن يجب أن أيضا النزول إلى الميدان باستمرار لأن مثل تلك القرارات تزرع الشك وتنزع الثقة. إن تفاعل صانع القرار مع الخبراء هو من أساسيات الدولة الحديثة، لكن الإنصات إلى مختلف الشرائح الإجتماعية ولنبض الشارع هو من شروط الديمقراطية.

2- آفة الخبراء: الحكم بعدم اختصاص المواطنين

إن الطابع التقنوقراطي الذي بدأت تجنح له حكومات متعددة، هو الذي شجع عددا من الخبراء على تجاوز حدود إنضاج القرار إلى اتخاذ القرار، ولم يعد الوزير أو المسؤول إلا ناطقا باسمهم، في حين أن الخبير في مجالات أخرى يقدم رأيا غير ملزم للجهة الوصية، ففي الخبرة القضائية مثلا، التي تمثل نموذجا يقتدى به في هذا الإطار، يعتبر القاضي أو السلطة المختصة غير ملزَمَيْن باستخدام إجراء الخبرة، أو إتباع الرأي الذي يقدمه الخبراء، “فهي اختيارية وليست إلزامية”(لشكر، ن. 2021: 98). وهنا نؤكد على أنها غير ملزمة أكثر حين تخلق توترات اجتماعية أو قانونية أو حين تكون ضربا للحريات الأساسية. فتفاعل صانع القرار مع الخبراء هو من أساسيات الدولة الحديثة كما قلنا سابقا، لكن أهم أسس الديمقراطية التي تقوم عليها الدولة الحديثة هي إشراك المواطن، والإنصات لمختلف الشرائح الإجتماعية ولنبض الشارع. في هذا الإطار ستذهب تحليلات الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني “يورغن هابرماس” إلى أبعد مدى في الموضوع، لتؤكد على أن التصور العلموي يتسم أساسا بالقصور الذاتي في مجال العملية السياسية، بالرغم من أنه قادر على تقديم معرفة مفيدة وتقييم سياسي، لكنه لا يمكن أن يعقلن علميا سيرورة الخيارات السياسية المتنافسة، لذلك يدعو هابرماس للحذر من علموية ولاعقلانية الخبراء، التي تريد إخراج المجال السياسي من التداول الديمقراطي بين المواطنين. فالنقاش بين المواطنين حول قضاياه غير مستساغ عند الخبراء بدعوى عدم الإختصاص، فهل نحتاج لنذكر بما يذكر به هابرماس وغيره من فلاسفة العقد الاجتماعي أن الشرعية السياسية قامت أساسا على إدماج الجمهور في شرعنة القرارات السياسية وأن تلافي دوره في بنائها سيؤدي إلى الفشل. ورغم الترشيد والتوجيه الذي يقدمه الخبراء التقنوقراط للعملية السياسية برمتها، فإن هاته العملية حسب هابرماس “أداتية ولا تنظر للمآلات التي قد تنجم عن تدخلهم في المجال السياسي، لأن فهمهم قائم على تقييم الوسائل، وهو ما كان له تأثير على النسق المعرفي، فقد أصبحوا يراقبون التفكير النقدي لممارساتهم مما يؤدي في نهاية المطاف إلى استنساخ نفس السياق دون تغييره” (هابرماس، ي. 2005: 56).

لقد أضحى دور الخبير أخطر مما كنا نتوقعه وفق النموذج التقنوقراطي، فإذا كان الممارسات الكلاسيكية ترى أن الخبير هو من يضع الآليات اللازمة لتحقيق مجموعة من الأهداف، فإن هذا النموذج سيصبح معكوسا حسب هابرماس، فالخبير هو من يضع الأهداف ويحددها، وأما السياسي فينفذها، وهو ما يجب تجاوزه لأنه سيؤدي حتما إلى أزمات وكوارث اجتماعية واقتصادية بالرغم من براغماتيته، فهيمنة الخبراء جعلت الممارسة السياسية مجرد تعبير انتهازي، بالرغم من الماكيافيلية التي يدعيها السياسي لتبرير تعامله التكتيكي مع الخبراء.

3- الخبرة وضرب الديمقراطية

تتطلب الأزمات التي تعرفها المجتمعات اتخاذ إجراءات صارمة من قبل السلطات العامة، وكذلك تغيير السلوك الفردي والجماعي للمجتمعات، فلو تم إعداد العقول وفق تعليم جيد يدرك المخاطر وسبل تجاوزها، لما حصلت توترات بين صانعي القرار وعموم المواطنين، من هنا تتضح خطورة وتكلفة الجهل.

ففي عصر يهيمن عليه خطاب الخبراء، يصعب ممارسة أي تفكير نقدي اتجاه الخبرة. فلا أحد يستطيع ولا ينبغي له أن يصادر القرار السياسي لأنه ينبني على الخبرة، من هنا يرتفع منسوب الخطاب التشكيكي في الخبرة والقرارات الصادرة عنها، والتي يعود سببها الرئيسي إلى الخوف من مصادرة الرأي العام.

من هنا تبدو العودة إلى القدامى مهمة، والنظر كيف حسموا في هذه المسائل بطرق لا يمكن تجاوزها بسهولة. فتوزيع السلطة السياسية عند مجتمع “أثينا” ينبغي أن يكون بالتساوي بين جميع المواطنين. وبالتالي لا يمكن للخبراء أن يحتكروا السلطة، بل إنهم لا يتمتعون بنفس المكانة التي يحظى بها المواطنون، فهم عبيد يخضعون لسلطة المواطنين، رغم أنهم يهتمون بجزء مهم جدًا من إدارة المدينة. يستخلص “ميشال لوديك” (Michèle Leduc) من هاته الوضعية أن “امتلاك معرفة إدارية وتقنية لا تقل أهمية عن ضمان السيولة المالية، وهذا مشروط لأولئك الذين نحن على يقين من أنهم لا يستطيعون قانونيًا الوصول إلى القرارات السياسية، في حين أن صنع القرار السياسي متروك للمواطنين وحدهم” (لوديك، م. 2021).

إن خشية احتكار السلطة من قبل ممتلكي الخبرة، أو من قبل موظفي مكاتب الدولة (البيروقراطية)، أو من قبل الفنيين في المناصب الإدارية، ستضعنا أمام أطروحة جديدة، وبموجبها فإن السلطة التي تنتمي شرعيًا إلى الشعب سوف يغتصبها “الخبراء” وهذا ما جعل الثقة في الخبرة والخبراء تهتز، لأنها بكل بساطة تضرب عرض الحائط أهم مقومات الديمقراطية.

4- الخبرة بين السلطة والثروة: استدراج المعرفة لمنطق السوق

من جهة أخرى، هل يمكن الحديث عن علاقة الخبرة بالسلطة والجاه دون الحديث عن علاقتها بالثروة؟ هذا ما حاول أستاذ العلوم السياسية “برنار أندريه” (André Bernard) أن يبرزه من خلال إحدى مقالاته (برنار، أ. 47:1982)، فقد كشف عن إحدى الفضائح المالية بنيويورك سنة 1970، حيث قدمت حكومة الولاية نحو 67 مليون دولار لمستشارين/خبراء خلال السنة المالية السابقة. واعتبر “أندريه” أنهم يستفيدون من رواتب أعلى بكثير من تلك الممنوحة لموظفي الخدمة المدنية. ويتم اعتمادهم بدون مباريات، وغالبًا في الخارج، خلافًا للممارسات السارية عادةً في القطاع العام، على عكس المسؤولين المنتخبين أو موظفي القطاع العام. الشيء الذي يؤكد مرة أخرى الفكرة السابقة التي تم إبرازها، أن نفوذ الخبراء في اتخاذ القرارات الحكومية الكبرى يتعارض مع مبادئ الديمقراطية. وفي اتجاه آخر يحاول أندريه رصد زحف خبراء القطاع الخاص على القطاع العام، “فرغم التأثير السلبي وغير المشروع لهؤلاء الخبراء على قرارات القطاع العام الكبرى، فإن الاستعانة بهم تتشر في جميع الوكالات الحكومية في العقود الأخيرة بأمريكا الشمالية”(برنار، أ. 47:1982)، فعددهم يرتفع بشكل مطرد وترتفع المبالغ المالية المخصصة لهم وللخبرات بشكل عام. وهذا الوضع لم يعد يقتصر على الدول الكبرى بل أضحى حالة منتشرة في العديد من الدول التي توجد في وضع غير متقدم[8].

في ضوء هذا النقد، يبدو مثيرا للباحثين المستقلين أن يسعوا نحو معرفة الأسباب والخلفيات التي تقف وراء هذا الإهتمام المتزايد لصناع القرار العام بخبراء القطاع الخاص بشكل متزايد. بل يحق لنا أن نتساءل مع أندريه “لماذا نحافظ على الامتيازات التي يتمتع بها خبراء القطاع الخاص في تعاملاتهم مع المؤسسات العمومية”(برنار، أ. 47:1982). وبعد كل التفسيرات التي يمكن أن تقدم حول هذا الموضوع يمكن أيضا إثارة قضية أخرى وهي المرتبطة بمدى إمكانية قياس التأثيرات والعواقب نتيجة هذا الإعتماد لاتخاذ القرارات الحكومية. فالخبرة الخاصة المعنية في هذا المقال هي “الخبرة كخدمة” التي أشير إليها سابقا، وهي أيضا من تستأجر خدمتها وتبيع رأيها ونصحها، ومؤشراتها حسب “أندريه”:

  1. تقاضي الخبير راتبه من المؤسسة العمومية التي تستأجر خدماته أو رأيه واستشاراته.
  2. ألا يكون الخبير جزءًا من المؤسسة العامة التي استأجرت خدماته أو من موظفيها الرسميين، أو أي مؤسسة عامة أخرى (مثل الهيئات الاستشارية الرسمية المرتبطة بالإدارات العامة الوطنية أو الإقليمية أو المحلية).
  3. التدخل في عملية صنع القرار.
  4. يتم تعيين هؤلاء الخبراء بحكم مهاراتهم المتخصصة.
  5. يتم الدفع لهم مقابل خدماتهم أو مشورتهم أو نصحهم.
  6. يتحدد دورهم هو في اختيار وتحقيق الأهداف المحددة ووسائل تحقيقها.
  7. يمتد دورهم إلى توفير المعلومات المطلوبة لاتخاذ القرارات.

لكن عملية صنع القرار لا يساهم فيها الخبير بمفرده، بل يساهم فيها أيضا المستشار، وهنا لابد من التمييز بين الخبراء والاستشاريين والمشاركين الآخرين في عملية صنع القرار، هنا يحاول “أندري” أن يميز أولا الخبراء عن موظفي المؤسسات العامة، الذين يمكنهم المشاركة في عملية صنع القرار، كما أنه حاول أن يميز بين المستشار المنتمي للمؤسسة والخارج عنها” (برنار، أ. 47:1982). فالاستشاريون في الواقع ليسوا جزءًا من هذه اللجان، رغم أن خدمتهم توظف داخل هذه اللجان. ومع ذلك، لا يخفى أن هناك ضبابية في هذا التمييز لدى “أندريه”، ومن خلال القراءات المتأنية للحدود الملتبسة بين الخبير والمستشار، يمكن القول أن المستشار (Consultant) تجمعه علاقة تعاقدية مع الجهة الراعية له (وزارة، مديرية، مؤسسة مالية..)، ومدة تعاقده أطول من مدة تعاقد الخبير وغير مشروطة بمهمة دقيقة، بينما الخبير لا يُعتبر التعاقد شرطا لتتحقق خبرته، إذ أن هذه الأخيرة ذاتية بينما الاستشارة مرتبطة بالمؤسسة الراعية لها، بالإضافة إلى ذلك فالمستشار معرفته عامة ومتعددة، ويقدم استشارة في مختلف التخصصات، بينما الخبير معرفته دقيقة في قضية معينة وينتج دراسة أو خبرة، رغم أن كلاهما يجيب على طلب لجهة ما(لشكر، ن. 2021: 39). ومهما كانت ضبابية الحدود الفاصلة بين الخبير والمستشار، فإن هناك مبالغ مالية مهمة تدرج ضمن النفقات العمومية والصفقات، وتخصص لكليهما من أجل إنضاج القرار. وترشح بين الفينة والأخرى أخبار حول تلك الصفقات التي يتخلل بعضها فساد مالي، وتنتهي إلى القضاء[9]. الشيء الذي يؤكد على أن الخبرة استدرجت المعرفة إلى منطق السوق، بل يمكن “أن ينتعش اقتصاد مبني على الخبرة، يخفي وراءه عالما كاملا من الصفقات الغامضة والعمولات والعلاقات المشبوهة، مع شبكات ودوائر القرار السياسي والاقتصادي والمالي”[10]. وفي سبيل تفكيك خفايا وأسرار هذا العالم، صدرت المئات من التحقيقات الصحفية المثيرة[11]، ونشرت عشرات من الكتب الصادمة، وأنتجت أفلام وثائقية عديدة (الخفاجي، ب. 2009)[12].

………. يتبع في الجزء الثاني

[1]  للنظر في تفاصيل الجذور التاريخية والعوامل الجغرافية لتشكل مفهوم الخبرة وارتفاع منسوب الحاجة إليه يمكن العودة إلى:

  • نورالدين لشكر، سوسيولوجيا الخبرة والخبراء، آليات إنتاج الخبرة في المؤسسات الدولية بالمغرب-البنك الدولي نموذجا، أطروحة للدكتوراه، تخصص علم الاجتماع، جامعة بن طفيل القنيطرة-المغرب، 2021.

[2]  توماس سيمي (Thomas Simey) 1906-1969، عالم اجتماع بريطاني، أستاذ بجامعة ليفربول ببريطانيا.

[3]  يمثل القرار الذي اتخذته وزارة التربية الوطنية المغربية والمتعلق بتحديد سن ولوج المباريات للتدريس في 30 سنة نموذجا في هذا الإطار، حيث تقدم مسؤولون عن الوزارة بعرض مبررات اتخاذ القرار وتمت مواجهة هذا العرض من طرف فاعلين (تربويين، سياسيين، نقابيين..)، الشيء الذي جعل القرار يخرج من دائرة الاحتكار والتفرد إلى النقاش والتجاذب.

[4] يعتبر الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault)1926-1984، أشهر من كتب في العلاقة بين المفهومين.

[5]  للمزيد من التفاصيل حول هذه العلاقة التفاعلية بين المفاهيم أنظر: سوسيولوجيا الخبرة والخبراء، مرجع سابق.

[6] LE POUVOIR DES EXPERTS, Emission scientifique téléviser, diffusée sur PRUN, date d’émission le : 04/11/2014. Ou voir le lien suivant : https://www.franceculture.fr/societe/le-pouvoir-des-experts.

[7] O. p.

[8]  كان من أوائل القرارات التي اتخذتها الحكومة المغربية نموذجا، في إطار سياسة تقشفية مستعجلة نتيجة وضعية الجائحة المفاجئة هي إيقاف كل التمويلات الموجهة لمكاتب الدراسات والخبرات والمقدرة بملايين الدراهم.

[9]  ترشح بين الفينة والأخرى ملفات لقضايا “فساد مالي” يتهم فيها أشخاص كان لهم نفوذ سياسي أو إداري ولهم ارتباط بمكاتب دراسات، فقد أدانت محكمة جرائم الأموال بمدينة الدار البيضاء المغربية، برلمانيا ومديرا لمكتب دراسات ومهندسة ومحاسبا وآخرين بسبب خروقات مالية شابت صفقات مالية بالملايير، المصدر: -جريدة المساء، العدد: 4428، بتاريخ 4 مارس 2021.

[10]  حسن طارق، بيوت للخبرة والوهم، جريدة الوطن القطرية، العدد: 8181، الجمعة 26 يناير 2018.

[11]  نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، شهر شتنبر 2018، وثائق تثبت فيها أن 64 حكومة في العالم منها 9 دول عربية أنفقت 100 مليون دولار، تلقاها 28 مركز خبرة أمريكي في السنوات الأربع الأخيرة فقط، المصدر:

  • الدور السياسي لمراكز الأبحاث الغربية، برنامج تلفزي، بعنوان “في العمق”، قناة الجزيرة القطرية، بتاريخ 12 يناير 2015.

[12]  يمكن على سبيل المثال الإطلاع على مجموعة مقالات وأشرطة وثائقية وبرامج في هذا الصدد:

  • وظيفة مراكز البحث بين التفكير والتجييش، برنامج تلفزي، من واشنطن، قناة الجزيرة القطرية، تاريخ البث: 2017/6/9، الرابط على اليوتيوب:  https://www.youtube.com/watch?v=WWb_YbjYWQw
  • الحاكم الخفي، حين تدير مراكز الأبحاث شؤون المنطقة العربية، مقال، فريق التحرير، مجلة نون بوسط، 01\09\2018، أنظر الرابط الإلكتروني على العنوان التالي: http://www.noonpost.com/content/24671

مرجع المقال: نورالدين لشكر، سلطة الخبراء، مجلة إضاءات، المجلد 3، العدد 6، صيف 2021، ص-ص: 21-38

تعليقات