تقنيات البحث الاجتماعي بين الدراسات الأجنبية ودراسات الخبرة: المقابلة نموذجا (1)

قئة المقال:دراسات وأبحاث

تقنيات البحث الاجتماعي بين الدراسات الأجنبية ودراسات الخبرة: المقابلة نموذجا (1)

Social research techniques between foreign studies and expertise studies: the interview as a model

الملخص: سيحاول هذا المقال أن يتوقف مع المقابلة كتقنية من تقنيات البحوث الكيفية، وكيف تتأرجح استعمالاتها بين الباحثين الأكاديميين والخبراء، فقد تشابهت بعض جوانب هذا الإستعمال كاختيار الوسيط واختيار المبحوث وكذا الدعم المادي المخصص للعمل الميداني، لكنها اختلفت في أخرى، كاختيار موضوع البحث وأسئلته الأساسية، وكذا المدة الزمنية المخصصة في دراسات الخبرة، والتي غالبا لا تسعف الباحث لإجراء مقابلات تحقق “التشبع المعرفي”، مقارنة مع الأبحاث المستقلة للأكاديميين؛ وهو ما يدفع إلى القول أن دراسات الخبرة وإكراهات الجهة الراعية لها، تجعل أبحاثها التي تعتمد تقنيات المقابلة ليست إلا تنويعا شكليا وتأثيثا لتقنيات البحث الكمي؛ وهو ما يمكن استخلاصه أيضا في قضية النشر. فالباحث الأكاديمي بشكل عام له حرية التصرف في نتائجه، لكن الأمر يبقى ممنوعا على الخبير الباحث لصالح مؤسسة راعية للخبرة.

الكلمات المفاتيح: المقابلة، دراسات أجنبية، الخبير، الخبرة

Conclusion : The use of the interview as a technique in the qualitative methods, such as CVs, has varied between the academic researchers and experts.thus, some aspects of this use such as the choice of the mediater,  the selection of the research and material support for the field work have been similar.but some others have been different such as the choice of the subject matter and its main questions.and also, the timing devoted to expertise study.most of time, all these things can not help to run interviews that lead to “cognitive satisfaction” compared to independent academic researches. thus, studies of expertise and the constraints of the sponsoring institutions make the  its researches based on  the technique of interviewing just some kind of diversification of scientific research techniques.

In general, the academic researcher has the freedom to act in his results which is not allowed for the expert researcher working for a sponsoring institution.

Key words : Interview – expert – Expertise- Foreign studies

 

   تقديم: يعتبــر البحــث الإجتمــاعي مهمــة دقيقــة، يتم فيها توظيف العديد من المناهج والأدوات، تختلف بحسب طبيعة الموضوع والأهداف المرجوة منه، ومـن بين الأدوات التي يلجأ إليها الباحث في العلوم الاجتماعيـة والإنسـانية، تقنية المقابلـة التي قد تأخذ صورة “سيرة الحياة”، باعتبار هذه الأخيرة أداة تساعد على الوصول إلى معطيات نوعية. غير أن توظيف هذه التقنية يختلف من باحث إلى آخر، وذلك لعدة أسباب، أهمها مدى دربة يد الباحث السوسيولوجية والأنثروبولوجية على البحث العلمي، وكذا طبيعة الموضوع وميدان البحث، وإذا كانت المقابلة وسيرة الحياة اشتهرت كتقنية استعملها باحثون أجانب بالمغرب، فهناك (دراسات\خبرات) يقوم بها (باحثون\خبراء) لصالح مؤسسات وطنية ودولية توظف نفس تقنيات البحث الكيفي، فكيف يمكن مقارنة هذا الإستعمال من الجهتين معا؟ وماهي أهم عناصر الإختلاف والتشابه بين التوظيفين؟ وهل توظيف المقابلة أو سيرة الحياة في دراسات الخبرة يحترم خصوصية هذه التقنية؟ أم أن إكراهات الجهة الراعية للخبرة تجعلها مجرد تنويع شكلي لتقنيات البحث الكمي؟

  1. المقابلة كتقنية للبحث الاجتماعي

تعتبر المقابلة تقنية مباشرة تستعمل “لمساءلة الأفراد على انفراد أو في مجموعات بطريقة شبه موجهة” (موريس أنجرس، 2004، 140). بينما يعتبر آخرون المقابلة “حوار متّزن، وعملية تواصل تسعى نحو هدفٍ محدد” (Rodolphe, Matalon, 1991)، إنها محادثـة هادفـة وتروم حفز ذاكرة المبحوث من خلال أسئلة متسلسلة غايتها الكشف عن آرائه ومواقفه وتاريخه الاجتماعي والثقافي ومحيطه الاقتصادي والسياسي، إلخ. وترتبط أسئلتها بفرضيات البحث التي تم إعدادها مسبقا، فهي محادثة “هـــدفها إثارة رد فعل واحد أو أكثر من طرف المبحوثين، ثم إقامة تحليلا كيفيا بهدف تجاوز الحالات الخاصة واستنتاج سمات مشتركة إن أمكن” (أنجرس، 2004، 197). إن اختيار المقابلة كتقنية ليس اعتباطيا بل توجهه اعتبارات منهجية محددة، فالعدد الكبير المبحوثين يعيق أي إمكانية لإجراء المقابلة بالنسبة لباحث مستقل، إلا إن كان يشرف على ذلك فريق من الطلبة الباحثين[1]، أو أن هناك جهة راعية (مؤسسة دولية أو وطنية) هي من تشرف على دراسة ما، وبالتالي لها من الإمكانيات المادية الكافية لتمويل العدد الكافي من الباحثين من أجل إجراء تلك المقابلات. خاصة إذا تعلق الأمر “بسيرة الحياة”، فهذه الأخيرة “نوع من المقابلة تستعمل بصفة خاصة من طرف المؤرخين الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع بهدف جعل شخص ما يروي كل حياته أو جزء هام منها، مع أخذ بعين الاعتبار الإطار الاجتماعي الذي عاش فيه” (أنجرس، 2004، 197). فهي توظف مع الذين يمثلون جزءا من ثقافة أو تاريخ أو ذاكرة قريبة من النسيان. إذ تتيح إمكانية الكشف عن معطيات لم يفكر فيها الباحث مطلقا ولم يكن ممكنا الوصول إليها لو اكتفى الباحث بالاستمارة أو الملاحظة. وتحتاج لدرجة عالية من الإصغاء والإنتباه لإيماءات المبحوث وردود أفعاله التلقائية، “فالتعبير بالحركات والإيماءات يمثل جزءا من الخطاب الذي لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار” (أنجرس، 2004، 200).

طبعا، إن تجربة الكتابة في السير الذاتية والغيرية، والكتابة البيوغرافية في العالم العربي، مليئة بالتجارب الكلاسيكية منها والمعاصرة، ابتداءً بأدب المناقب، مرورا بالسير الذاتية لبعض الأدباء والمفكرين، وصولا إلى السير العلمية والمهنية، وتجارب الحياة المتنوعة، بما فيها تلك العادية أو الاستثنائية، مما أولته الكتابة الأنثروبولوجية بالغ العناية، حينما عرّفت بمسارات حياة بعض عامة الناس قبل خاصتهم، من بين رجالهم أو نسائهم[2]..

هذا وتعددت دراسات كتابات السيرة في حقل الأنثروبولوجيا، كسيرة “القاضي المنصوري” (دل إكلمان، 1985)، وسيرة “تاجر أمازيغي” (ووتر بوري، 2020)، أو سيرة “الفقير الشرادي” و(كيفن دواير، 2008)، وبالرغم من اختلاف الكتاب الثالث نظريا ومنهجيا عن الأول والثاني، إذ أن صاحبه حاول أن القطع مع الأنثروبولوجيا التي أسس لها “غيريتز” وتطوير أنثروبولوجيا نظرية ومنهجا تجدد علاقة الباحث بالمبحوث، معتبرا أن فكرة أن النص هي إنتاج مشترك بين المؤلف والذوات التي يدرسها. ومثل هاته الكتابات هي ذات جودة منهجية ومعرفية عالية، كيف لا وقد أنتجها أنثروبولوجيون متمرسون وأسماء لامعة في هذا الحقل العلمي، إلا أن هناك قاسم مشترك بينها، فالقائمون بها أجانب، والمبحوثين فيها مغاربة، وهي الوضعية التي عرفتها الأنثروبولوجيا والدراسات الاجتماعية عموما منذ الفترة الكولونيالية، فالغالب العام هو أن الأجنبي هو من يقوم بالبحث في سيرنا ومجتمعاتنا، إلا أن اشتد عود الباحثين المغاربيين والعرب بشكل عام. فأخدوا زمام المبادرة وبدأوا في الاشتغال على قضاياهم ومجتمعاتهم. لكن، وبالرغم من الإسهامات العديدة والغنية للباحثين العرب والمغاربيين في حقلي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إلا أنه يلاحظ ندرة الدراسات والأبحاث التي قام بها باحثون عرب أو مغاربيون مثلا، إن لم نقل غيابها، على سير أشخاص أجانب (غربيون)، أو عربا من بلدان مختلفة عن بلدان الباحثين[3].

هذا ويحصر بعض الباحثين السوسيولوجيين أنواع المقابلات في نوعين، وهما: (المقابلة المنظمة\الموجهة وغير المنظمة\الموجهة) (تيودور كابلو، 1985، 171)، ويمكن أن يضاف إليها نوع ثالث وهو (نصف الموجهة). كما أن للمقابلة خطوات لابد من الإعداد لها لربح الكثير من الوقت والجهد الذي قد يذهب سدى، كتحديـــد الهـــدف مـــنها، وتصميم دليل لها مع احترام تسلسلها المنطقي، ثم الإختبار القبلي والعملي للدليل للتأكد من سلامة الأسئلة وسلاسة فهمها عند المبحوث. ناهيك عن إعداد هذا الأخير عبر إخباره بموضوعها والاتفاق القبلي معه على الزمان والمكان، حتى لا يقع أي تشويش يؤثر على سير المقابلة[4]. وبالتالي على طبيعة النتائج المتوخاة منها. كما أنه على الباحث تجاوز الأحكام المسبقة، فآراؤه الشخصـــية وأفكاره حـول الموضـوع والمبحـوث ينبغي أن تبقى جانبا. وأخيرا، تعزيز الثقـة بين الباحث والمبحوث، ذلك أن أغلب الباحثين توجه نحوهم نظرة ريبة، خاصة وأنهم يسألون عن تفاصيل ثقافية كنمط العيش مثلا، تجعل المبحوث يحجم أحيانا عن ذكرها لاعتبارات أخلاقية أو سياسية أو مالية، إلخ. وتتعزز الثقة أيضا في الرهانات المرجوة من البحث، فبعض المبحوثين يرهن جودة تفاعله بالجدوى من المقابلة أو الثقة في المبحوث. هذا ولا ينبغي إغفال دور الوسيط الذي يساهم بشكل كبير في تعزيز هذه الثقة بين الطرفين، خاصة إذا كانت له سلطة أو نفوذ، كالقياد والباشوات مثلا[5]. وأخيرا يحرص الباحث على تغييب التصنع أو التعالي على المبحوث، فكلما كان الهوة بينهما أكبر، كلما كانت النتائج أضعف. ومن أبرز عناصر هذه الهوة، اللغة المعتمدة في المقابلة بشكل مباشرة، إذ ينبغي توظيف لغة قريبة من المنظومة الثقافية التي ينتمي إليها المبحوث.

ولا تخلو المقابلة من بعض العيوب والمشكلات، فهي أولا مكلفة ماديا نظرا لما تطلبه من وقت أطول مع المبحوث وهو ما يستدعي توفير ميزانية للمصروف اليومي، ناهيك عن مصاريف التنقل من وإلى المكان الذي يوجد به المبحوث خاصة إذا كان هذا الأخير يوجد بمجال لا يتوفر على فندق أو مكان مخصص للكراء. كما تحضر قضية النوع في المقابلة بقوة، فالباحث قد يجد صعوبات كبيرة في التواصل مع مبحوث من جنس آخر، والعكس بالعكس، نظرا لبعض الخصوصيات المتعلقة بالمعطيات المتعلقة بكل جنس. وهناك عامل السن أيضا، خاصة إذا كان الباحث شابا يافعا والمبحوث شيخا طاعنا في السن، فرغم عمق وكثافة المعطيات التي تحملها ذاكرته إلا أن حاجزا قد ينشأ بينه وبين الباحث نظرا للاختلافات على مستوى التصورات والاهتمامات وقيمة المواضيع[6] والدينامية التواصلية بينهما، حيث قد يتهم الشاب بالخفة في سلوكه وحديثه، بينما يتهم الشيخ ببطئه وتثاقله.

كما أن للمقابلة تبعات، وهي مما يعانيه بعض الباحثين الذين أجروا مقابلات كثيرة، وخبروا تبعاتها، خاصة لصالح جهات راعية، فلإنجاح المقابلة يلجأ الباحث إلى تعزيز عنصر الثقة مع المبحوث من خلال التعارف بينهما والاقتراب أكثر منه والانفتاح على وضعه الاجتماعي، وحين ينهي الباحث بحثه، تبقى وضعية التواصل دائمة بينهما، حيث يعتز الكثير من الباحثين بمثل هاته العلاقة، والتي تتطور إلى صداقة قد تدوم لسنوات طويلة[7]، على العكس من ذلك أثناء ممارسة الخبرة، “فنظرا لكثرة الدراسات والخبرات التي يجريها الخبير لصالح المؤسسات والهيئات، تجعله يصل لدرجة يفقد معها حميمية العلاقات بل وكلفتها أحيانا” (ن. لشكر، 2022، 118)، وأما إذا كان المبحوث من صنف الذين يعانون من وضعية الفقر والهشاشة، فقد يضطر الباحث الى مساعدة بعضهم ماديا نظرا لما يراه من مشاهد البؤس وهو ما لا يتم الاستعداد له ماديا أو التفكير فيه قبل إجراء المقابلة[8].

كما أن هناك عيبا آخر للمقابلة وهو الكذب، فهناك عدة اعتبارات متعددة قد تدفع المبحوث لتغطية الحقيقة، وأغلبها مرتبطة بالضرر الذي يمكن أن يلحقه فيما لو صرح بقول يتعارض مع إرادة مشغله مثلا، أو مدير مؤسسته، أو رب الأسرة إذا كان الأمر يتعلق بمبحوث امرأة، وهو ما يمكن أن يلمسه الباحث في الضيعات الفلاحية مثلا، والتي يصعب معها الوصول إلى حقيقة معاناة المرأة العاملة[9]، وهي من سلبيات المقابلات الجماعية أو البؤرية عموما. لذلك يقترح “ألا تكون المقابلة في مكان العمل”(أنجرس، 2004، 202)، خاصة وأن الباحث قد لا يعي الحساسيات وطبيعة العلاقات داخل المؤسسة المشغلة… يتبع في الجزء الثاني…

[1] في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى نموذجين مغربيين، من البحوث الاجتماعية التي اعتمدت على المقابلة التي عددت من عدد المبحوثين والمستجوبين لتحقق درجة من “التشبع المعرفي”، راجع بهذا الخصوص ما أنتجه كل من السوسيولوجيين بول باسكون وعبد الرحمن المالكي، انظر لائحة المراجع.

[2]  كان لصاحب هذا المقال بتعاون مع احد رواد السوسيولوجيا المغربية مساهمة في كتابة سيرة أحد الخبراء الدوليين، ونعتبر أنها سيرة تحمل بعض التميز، من حيث موضوعها (عالم الخبرة والخبراء)، وما يستلزمه الحديث في هذا الباب من حرص على مراعاة الضوابط العلمية والأخلاقية المتصلة بتقديم معطيات ومادة الكتابة، حيث كان المعني بالسيرة (جوزيف ثابت) شريكا حريصا على حسن توثيق مسار التجربة، والعناية بلغتها التقنية، والأطراف المعنية بمشاريعها، من أشخاص ومؤسسات، بقدر حرصه، وحرصنا جميعا، على التعبير عن آرائه ومواقفه إزاء العديد من أحداثها، بما تطلّبه ذلك أحيانا كثيرة من شجاعة، غايته من ورائها إطلاع القارئ العربي على أبعاد عالم الخبرة الخفية، ومناطق ظلها الكثيفة؛ وبما اقتضاه كل ذلك من انضباط معرفي وأخلاقي. ناهيك عن كون هذه السيرة تكشف عن الأبعاد الإدارية والقانونية والسياسية والثقافية والنفسية والأسرية والوجدانية والإنسانية للتجربة المهنية التي يتم استنفار الخبراء عبر العالم من أجل تأديتها. وهي الأبعاد التي غالبا ما تظل مسكوت عنها، حينما يتم التعريف بالتجربة المهنية للخبراء في ميدان أو مجال من مجالات اشتغالهم، لصالح التركيز على مهام الخبير العلمية والتقنية بالأساس؛ بينما تعمل المنهجية البيوغرافية على كشف تلك الأبعاد، والانتباه إلى تقاطعات السيرة المهنية أو العلمية مع مجمل التفاعلات المؤثرة في رسم معالم سيرة الحياة، مهنية كانت أم أسرية وإدارية واجتماعية وسياسية وغيرها. (نورالدين لشكر، عمار حمداش، 2022، 3).

[3] في هذا الإطار تأتي التجربة التي سبق الحديث عنها، وهي كتابة سيرة، من خلال سلسلة من المقابلات مع خبير سوري الأصول وكندي الجنسية، انظر، سيرة خبير دولي، مرجع سابق.

[4] بإحدى البحوث الميدانية لصالح مؤسسة دولية، حرص أحد المبحوثين على استضافتنا ببيته، ورفض إجراء المقابلة خارجه. فالبيت له معنى رمزي لدى سكان القرية، وإجراء المقابلة به سيمنح صاحب البيت حظوة هو حريص عليها، باعتبارنا -حسب ما أشيع في القرية-مسؤولون قدموا من “الرباط”\العاصمة.

[5] يسجل هنا أن البحث الذي ترعاه جهة ما، دولية أو وطنية، تفتح لصاحبه الأبواب وتوضع بين يديه المعطيات، بينما الباحث المستقل ولو اشتغل على نفس الموضوع، فإن الأبواب في الغالب تبقى موصدة في وجهه، وعنصر الثقة بينه وبين المبحوث يحتاج لجهد كبير لبنائه.

[6]  أثناء دورة تكوينية في إطار الاستعداد لإجراء بحث ميداني لإحدى المؤسسات الوطنية، صرح لنا من أشرف على التكوين بحادث وقع لأحد خبراء البنك الدولي أثناء قيامه بإجراء بحث ميداني ببلد إفريقي، ذلك أنه توجه لأحد الأشخاص بعد أن اتفق معه على إجراء مقابلة، وأثناء الحديث بينهما حاول الباحث أن يحفز المبحوث من خلال إبراز قيمة المقابلة التي ستساعده على تغيير نمط عيشه وتيسير طريقه للنجاح عبر مجموعة إرشادات، غير أن المفاجأة كانت هي توقف المقابلة نهائيا ورفض المبحوث إكمال اللقاء بينهما، وفسر له السبب في ذلك، في كونه راض على وضعه ذاك، وأنه لا يريد شيئا من تلك الصورة التي يرسمها الباحث، وأن النجاح الذي يظنه الباحث مجرد وهم، بل إن النجاح في نظره هو الابتعاد عن كل تلك البرامج التي يقترحها البنك من خلال خبرائه. الباحث

[7]  يمكن في هذا الإطار، إدراج العلاقة التي نشأت ودامت عشرات السنين بين الأنثروبولوجي دل إكلمان وأحد الفلاحين من مدينة أبي الجعد والذي أصبح خياطا بالدار البيضاء، (ديل إكلمان، 2020).

[8] في هذا السياق، يذكر أن بحثا تم إجراؤه لصالح مؤسسة البنك الدولي سنة 2014، ومنذ تلك السنة إلى سنة 2018 كان بعض المبحوثين يتصلون بشكل دائم عبر الهاتف، من أجل حل بعض المشكلات التي يعاني منها ومرتبطة بموضوع الفقر والهشاشة، (تمدرس، صحة، معيشة، شغل، ..)، ويحكي محققون آخرون نوادر في هذا الباب، منها أن هناك شخص اتصل بباحث وأخبره أنه لم يستفد من بطاقة “راميد” المخصصة لدعم الفقراء بالمغرب، وبالتالي طلب منه المساعدة، على اعتبار أن المحقق يقطن في “الرباط”\ العاصمة. الباحث

[9] كثيرا ما تتخلل المقابلات البؤرية همهمات وتلميحات وصمت أحيانا، نظرا لتخوف بعض المستجوبات من عواقب صراحتهم على مصير وضعيتهم داخل الضيعة.

تعليقات