سوسيولوجيا الخبرة والخبراء 4: الهوية العلمية والإيديولوجية للبرامج التدخلية في المؤسسات الدولية “البنك الدولي نموذجا” (الجزء1)

قئة المقال:دراسات وأبحاث

تشتهر المؤسسات الدولية التي تعنى بالتنمية ببرامجها التدخلية، والتي تمتح أرضيتها المعرفية من إيديولوجية معينة تشكل هويتها العلمية، ويعتبر البنك الدولي أحد المؤسسات الدولية الرائدة في هذا الإتجاه، ذلك أن برامج التنمية المتعددة لديه عرفت تطورا تاريخيا منذ نشأته، فإذا كانت سياقات النشأة الأولى جعلت قاعدته المعرفية تقف على المقاربة الاقتصادية ذات البعد الكمي الإحصائي، فإن خبرته الميدانية جعلته ينفتح على مفاهيم لم يكن لها موقع داخل دائرة اهتماماته كالثقافة، الهوية، الفرد والسلوك، إلخ، وهي مفاهيم لا يمكن تناولها إلا بإدماج مقاربات أخرى تنتمي إلى العلوم الإنسانية والإجتماعية غير الاقتصادية.

فالإيديولوجيا الخاصة للبنك تشكل العدسة الشاملة التي لا يمكن فهم مشاريع التنمية إلا من خلالها، فقوة البنك الدولي العظمى على مدى ستّة عقود، لا تقوم فقط على المفاهيم الإقتصادية، بل “بوجود ممارسات ومعتقدات وحقائق يمكن التعبير عنها اليوم بعيدا عن مجال التنمية البيئية المستدامة من جهة، ودون استعمال مفاهيم النيوليبرالية من جهة أخرى”[1]. هذه الممارسات دليل قاطع على فعالية آخر السياسات المنتجة لدى البنك، وهي سياسة القوة المعرفية، حيث هيمن خطاب التنمية على الجميع، من المساندين لسياسات البنك، إلى المحللين والنقاد، وهنا تكمن قوة المعرفة وسلطتها، فالجميع يقبل بواقع لا محيد عنه، وأضحى السؤال هو كيف تكون هذه التنمية أكثر استدامة؟

فالبنك الدولي وإن كان بشكل عام يبدو كمؤسسة مالية دولية تساهم في “مساعدة” الدول على التنمية، لكن المتتبع لتاريخه سيكتشف أن الأمر لا يقف عند هذا المستوى المتعلق بالدعم المادي، والذي يأخذ صور قروض لتمويل مشاريع وبرامج في شتى المجالات وفي العديد من البلدان. بل للبنك خلفية إيديولوجية تجعله يتدخل في قضايا تبدو من اختصاص المهتمين بالفلسفة والعلوم الإنسانية لما يراه من دور مهم لهذه القضايا المؤثرة على مشاريع التنمية.

فكيف يمكن تناول موضوع ذو خلفية سوسيوأنثروبولوجية وفق السياق التاريخي والإيديولوجي للبنك الدولي؟ لكن وقبل ذلك، أليس البنك الدولي مجرد وكالة دولية مالية للقروض؟ أليست خلفيته المعرفية اقتصادية محضة؟ وما علاقة هذه المؤسسة العالمية بالعلوم الاجتماعية غير الاقتصادية؟ وإلى أي حد ساهم خبراء البنك الإجتماعيين والأنثروبولوجيين في تطوير وعيه بهذه العلوم؟ وكيف يتم توظيف المعرفة الأنثروبولوجية والسوسيولوجية لإنجاح البرامج التدخلية؟

  1. البنك الدولي كقلعة للعلوم الإجتماعية: الخلفيات المعرفية والإيديولوجية

 يصعب الحديث عن علاقة البنك بمسألة تتعلق أساسا بالمعرفة السوسيولوجية والأنثروبولوجية قبل استحضار الخلفيات المعرفية والإيديولوجية لهذه المؤسسة العالمية. فالبنك الدولي للإنشاء والتعمير -حسب ما هو معلن-[2] أنشئ من أجل تشجيع السياسات التي تساهم في الحدّ من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة، ويتم ذلك من خلال إقراض حكومات الدول الأعضاء وتعزيز الاستثمارات الاقتصادية وتوجيه السياسات، وأيضا من خلال قروضه ونصائحه ومساعدته التقنية، فهو يدعم عددا كبيرا من البرامج التي ترمي إلى الحدّ من الفقر وتحسين الشروط المعيشية في البلدان النامية. وإذا كانت هناك وفرة في الموضوعات المتعلقة بالبرامج والخطط والدراسات وكذا التقارير التي تنجزها هاته المؤسسة حول مشاريعها المخصصة لبلد بعينه أو مناطق إقليمية كبرى، ناهيك عن البحوث والدراسات التي تجرى حولها لنفس الموضوعات، من طلبة باحثين ومختبرات جامعية يصعب حصرها لكثرتها، فإنه بالمقابل هناك شح وندرة في الدراسات التي تعنى بالخلفيات المعرفية التي تمتح منها هاته المؤسسة، ذلك أن الخلفية المعرفية هي الأساس النظري لأي خبرة أو تقرير سيتم إنجازهما فيما بعد حول أي قضية أو موضوع ما. هذا ويحضر البنك بشكل مكثف داخل الوكالات الوطنية لدى الدول ذات المديونية، من هنا يقر الخبير السابق لدى هذه المؤسسة العالمية “مايكل غولدمان” – (Michel Goldman)[3]، أن هناك أعدادا كبيرة من المتخصصين والخبراء من البنك، ووكالات التنمية المحلية والدولية والحكومات والشركات المتعددة الجنسية والغرف التجارية والمنظمات غير الحكومية، “يشاركون في الترويج لهذه السلطة /القوة المعرفية وممارساتها، حيث تساهم كل مؤسسة منها على حدة في حقن مبدأ البنك الدولي النيوليبرالي-البيئي في الأنظمة والبرامج المحلية وتكوينها”[4].

  1. الإقتصاد للإقتصادي، والتنمية تسقط في قبضة ليبرالية الدول الدائنة.

يلاحظ من خلال اللوائح المفصلة للبنك والبيانات التي تنشر على مواقعه الرسمية، وكذا الرؤساء المتناوبين على إدارته، كيف يهيمن البعد الإقتصادي على هاته المؤسسة الدولية. وقد لا يعترض أحد على هاته الفكرة، وستعتبر من نافل القول، فقط لأن المؤسسة مالية وتعنى بالقروض، وبالتالي حسب هذه الفكرة أنه من الضروري والمؤكد ومما “لا يقبل التشكيك فيه”، أن تهيمن المعرفة الإقتصادية على آليات اشتغالها وأهدافها. فبالرغم من آلية التصويت والإنتخاب، إلا أن وظيفة “مدير البنك” يشغلها في الغالب أحد الأمريكيين، ويرجع ذلك للوضع المسيطر للولايات المتحدة في البنك ولحصتها التي تمكنها من نسبة كبيرة من الأصوات، ناهيك عن الدول المتحالفة معها. من هنا تبقى صلاحية اختيار مدير البنك لرئيس الولايات المتحدة دون العودة للكونغرس، وإن كانت عملية الإختيار هاته تطرح العديد من الأسئلة، أبرزها، هل رئيس البنك رجل اقتصاد وتجارة؟ أم أنه يا ترى عسكري ببدلة إقتصادي؟ فعدد من رؤساء الولايات المتحدة كانوا يختارون وزراء دفاعهم السابقين أو مساعديهم مدراء للبنك، وهذا يبرز الخلفية العسكرية لأمثال هؤلاء المدراء، غير أن البنك مر على رئاسته مصرفيون أمريكيون وأجانب لكن باختيار من رئيس الولايات المتحدة دائما[5].

وإذا تمت العودة إلى أبرز خبراء هاته المؤسسة وكبار مخططيها سنجد أنهم من كبار الإقتصاديين في العالم[6]، إذ أن البنك تولى رئاسته بعض المدراء تم اختيارهم من رؤساء للولايات المتحدة بناء على اتجاه اقتصادي معين، أو بسبب تأثرهم بأفكار معينة، فالرئيس الأمريكي “رونالد ريغان”(Ronald Reagan) مثلا، كان متأثرا بأفكار الليبرالية لمدرسة

شيكاغو، وصاحبها “فريدمان ميلتون”(Milton Friedman)[7].

إن الملاحظة الأولية تقطع بهيمنة الخلفية المعرفية الإقتصادية على مستوى الرئاسة والمندوبين والمحافظين، الذين تتشكل أغلبيتهم من وزراء مالية ومحافظين لبنوك مركزية ومصرفيين كممثلين لبلدانهم، وهو ما سينعكس لامحالة على استراتيجيات البنك وأهدافه وكذا برامجه وتقاريره، ناهيك عن الخبرات التي يتم إنجازها والتي كانت تستحضر -كما سنرى فيما بعد-العوامل الإقتصادية “رأسمال، تجارة، قطاع خاص، تيارات مالية، قروض، هيكلة وإعادة هيكلة”، مع إغفال تام لعوامل أخرى، اجتماعية، ثقافية، إلخ. فالإقتصاد للإقتصادي، وبالتالي سيسقط مفهوم التنمية في الزاوية الضيقة للمقاربة المالية الإحصائية الكمية. بل إن هذه الأخيرة لم تكن إلا الشجرة التي تخفي الغابة حسب بعض الباحثين[8]، والذين رأوا أن الإقتصادي “ميلتون فريدمان” مثلا، لم يكن إلا أحد أضلع تحالفات خربت إقتصاديات بعض الدول[9]، بل إن نفس الباحث يرى أن كلا من البنك الدولي وصندوق النقد وفي إطار التنسيق بينهما، يقدمان رؤية اختزالية للبرالية تتناغم مع السياسات العامة للدول المسيطرة على البنك، ذلك أن هناك دولا في شرق آسيا مثلا، حققت نجاحات اقتصادية كبيرة بفضل سياسات ليبرالية خاصة بها، لكن كلا المؤسستين تتجاهلان عن وعي وإرادة اختبار صواب تلك النجاحات، “فالصين وتايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ على سبيل المثال، حققت نجاحات باهرة على الرغم من عدم انصياعها لمبادئ الليبرالية الحديثة، بل إنها حققت

ذلك لأنها لم تنصع لتلك المبادئ والإرشادات”[10].

وللتدليل بشكل واضح على هذه الرؤية الاختزالية التي تجعل الليبرالية في صورة متناغمة مع أهداف الدول الدائنة، يمكن القول أنه كانت محاولات من بعض الخبراء الإجتماعيين لتحديد المؤشرات التي من خلالها يمكن قياس مجموعة من الظواهر الإجتماعية، حيث تم الإشتغال على “ظاهرة الإستبعاد الاجتماعي” من خلال الدراسة[11]التي قامت بها مدرسة لندن بإشراف عالم الإجتماع البريطاني أنتوني غدنز، غير أن هذه الخبرة الأكاديمية التي تم بذل جهد كبير فيها ومن طرف خيرة علماء الاجتماع البريطانيين سيكون مصيرها الرفوف الجامعية، نظرا لأنها لم تستحضر بعدا آخر يتعلق بسياسات المؤسسات المالية العالمية الكبرى، فهل يمكن فهم ظاهرة الإستبعاد الإجتماعي دون العودة لسياسات صندوق النقد والبنك الدوليين؟

لقد توجهت الحكومات البريطانية غير ما مرة نحو صندوق النقد مثلا، مما جعلها سنة 1976 تقلص من برامج الرعاية الإجتماعية على نحو صارم، وبالرغم من أن بريطانيا دولة عظمى غير أنها مدينة، وهنا ينتعش ذلك الصراع القديم بين الدوليتين العظميين[12]، فالولايات المتحدة باعتبارها المهيمنة، أجبرتها على تنفيذ سياسة ضريبية شديدة القيود والتخلي عن كل القيود المفروضة على الواردات، وانطوى هذا التدخل على اعتداء”[13]. وهنا لابد من القول إن هذا الوضع جعل الدول الصناعية في العالم الغربي تأخذ درسا كبيرا حيث أنها “لا تطلب أبدا أي قرض من الصندوق”[14]. فإذا كان هذا حال دولة عظمى مع البنك فكيف هو حال الدول الفقيرة[15]؟

يبدو إذن أن هناك تناغم كبير بين الخبراء الاقتصاديين لدى المؤسسات المالية العالمية من جهة، وبين   السياسيين والإقتصاديين الأمريكيين من جهة أخرى، فالمبادئ[16] التي تسير عليها الهيئات المالية “تتلاءم تماما مع تصورات الدوائر السياسية بواشنطن والوكالات الإقتصادية هناك، وكذا المصرف المركزي الأمريكي، وأخيرا مراكز الخبرة العاملة بواشنطن”[17]. فهل يمكن أن يطرأ تغير داخل مربع خبراء البنك الدولي؟ وبالتالي هل يمكن أن تتزحزح الخلفية الإيديولوجية للبنك لصالح العلوم الإجتماعية غير الإقتصادية؟

  1. البنك الدولي والعلوم الإجتماعية غير الاقتصادية: اقتحام وتطوير

لقد كانت الغاية من تحديد الإطار الماكروسوسيولوجي لمفهوم الخبرة[18]، هي وضع المفهوم ضمن مجاله الخاص به وضمن حدوده العلمية، كعلم إجتماع الخبرة، علم اجتماع المهن، علم اجتماع السلطة، لما هنالك من علاقة وثيقة بين الخبرة وبين مجموعة مفاهيم (قانون، إدارة، سلطة، مؤسسات، إلخ). فالخبرة جعلت الكثير من الباحثين[19] يرون أنها الوسيلة للوصول في نهاية المطاف إلى دليل مطلق/ دليل علمي وعقلاني لاتخاذ القرار. من هذا المنطلق يؤسس البنك الدولي علاقته بالعلوم الإجتماعية كوسيلة تقدم الدليل العلمي للقرار الذي تتخذه أكبر مؤسسة مالية يعرفها العصر الحديث. وإذا كانت الملاحظة الكلاسيكية تفترض هيمنة الإقتصادي على إنجاز تقارير الخبرة في هذه المؤسسة، فإنه يمكن القول، إن حضور العلوم الإجتماعية غير الإقتصادية داخل المؤسسة بدأ في البروز في السنوات الأخيرة، فكيف يمكن تحديد أشكال هذا الحضور؟

  • الخبير السوسيولوجي يقتحم قلعة الاقتصادي

في الفصل المتعلق ب”مجتمع الخبراء”[20]داخل مؤسسة البنك الدولي تم الكشف عن التنوع الذي يعرفه هذا المجتمع من حيث المرجعيات المعرفية، فجل الحقول ممثلة، من أقصى العلوم الدقيقة كالهندسة والإحصاء والبيولوجيا، إلى الفلسفة والأدب والأنثروبولوجيا، غير أن هذا الحضور لم يكن وليد النشأة بل تم عبر مراحل عرفت توترات وصراعات، فلم يكن ممكنا إقناع المشرفين على البنك إبان تأسيسه وبعد ذلك بمدة طويلة، بجدوى إدماج العلوم الإجتماعية غير الإقتصادية في تحليل المعطيات من أجل الإسهام في اتخاذ القرار، فالفرضية الوحيدة التي كانت تهيمن على المؤسسة هي أن الإقتصاد للإقتصادي، وبالتالي سقط مفهوم التنمية في الزاوية الضيقة للمقاربة المالية الإحصائية الكمية، والتي لم يكن ممكنا الخروج منها إلا بعد مرور سنوات طويلة وتحديدا سنة 1974. فقد صرح أحد خبراء البنك السوسيولوجيين[21] أن هناك “صعوبات هيكلية وقضايا معقدة للغاية تمت مواجهتها عند محاولة إدخال العلوم الاجتماعية غير الاقتصادية في قلعة اقتصادية مثل البنك الدولي”[22]. لقد أدرك البنك الدولي حسب هذا الباحث وفي وقت متأخر جدًا أنه يحتاج إلى خبراء في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا يضافون إلى الخبراء الإقتصاديين الموجودين فيه. ومن جهة أخرى سيوضّح عالم الإجتماع “مايكل غولدمان”(Michel Goldman) من خلال دراسته الإثنوغرافية، كيف استطاع البنك الدولي إعادة النظر في ذات المؤسسة وإعادة تأهيلها، وذلك بفضل الإنتقادات ومجهودات النقّاد اتجاهها، لكنه بين أيضا كيف استطاع البنك التدخل في “أنظمة وميادين وكيانات اجتماعية مختلفة داخل المستعمرات القديمة وكيف كانت أشكال تدخلاته متنوعة”[23].

إن الحاجة إلى علم الإجتماع والأنثروبولوجيا ضمن المؤسسات لم تكن وليدة السنوات الأخيرة، فالمتتبع للشأن السوسيولوجي والأنثروبولوجي يفترض أنه ليس في حاجة للتذكير بتلك العلاقة القديمة بين هذه العلوم والمؤسسات إبان الفترة الكولونيالية وقبلها، وليس هاهنا مجال النقاش في طبيعة تلك العلاقة. لكن يسجل باستغراب ذلك التأخر في التعامل مع هذين العلمين من طرف مؤسسات عالمية كبرى. هذا وقد سبقت منظمات دولية مؤسسة البنك الدولي لهذا الإنفتاح على العلوم الإجتماعية غير الإقتصادية، غير أن هذا السبق لم تكن له عواقب حميدة، حيث أن “منظمة الصحة العالمية (OMS) عينت أول عالم أنثروبولوجيا سنة 1950، لكن لسوء الحظ، لم تكن هذه التجربة ناجحة، وبعد فترة وجيزة إضطر عالم الأنثروبولوجيا ذاك إلى ترك المنظمة العالمية محبطة”[24].

بعد هذه التجربة الفاشلة بأربعة وعشرين سنة، كانت هناك تجربة أخرى داخل مؤسسة البنك الدولي، وعلى العكس من ذلك، فقد كانت ناجحة. حيث تمكن أول عالم اجتماع[25] دعاه البنك الدولي للانضمام إلى المؤسسة ذات التراتبية المعقدة، من دمج عمله بطريقة عضوية في جميع أنحائها، وإقناع البنك بأدوات الإشتغال السوسيولوجية والمفاهيمية.

لقد استطاع مايكل سيرنيا أن يخترق “القلعة الإقتصادية” سنة 1974 ويوطن بشكل متدرج مجموعة سوسيولوجيين وأنثروبولوجيين ليبلغ عددهم “حوالي 140 عالم اجتماع وانثروبولوجي ومختص في العلوم السياسية”[26]. لقد نما وجودهم بشكل مطرد على خلاف الإقتصاديين الذين بقي وضعهم ثابتا، وبذلك نكون أمام أكبر تجمع للخبراء ذوي الخلفية السوسيولوجية في العالم، يشتغلون داخل نفس المؤسسة ولنفس الأهداف والمشاريع التنموية. إذ يلاحظ أنه منذ التعيين الأول لهذا الخبير السوسيولوجي، ومع الإرتفاع المطرد لحضور الموظفين الداخليين الذين تمتح معرفتهم من السوسيولوجيا، سيتأكد ثقلهم المؤسسي في البنك، وهي خطوة جبارة تستحق الإعتراف. هذا دون أن ننسى المئات من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين من جل البلدان في العالم، الذين يعملون كمستشارين في مهام محددة أو بحوث ميدانية او المساهمة في إنجاز التقارير حول موضوع من مواضيع التنمية[27]، وهذا يبرز أساسًا الطلب المرتفع على التحليل السوسيولوجي الذي اكتسب شرعية أكبر داخل المكتب المركزي للبنك في واشنطن.

يمكن القول إذن أن علماء الإجتماع سيحدثون ثغرة وقناة جديدة تربط البنك الدولي بالمعرفة العلمية، بعد أن كان الإقتصاديون هم من يستحوذون على تلك العلاقة، بل ويمثلون الوسيط الوحيد المهيمن عليها لإنجاز تدخلات متعلقة بالتنمية. ويمكن إبراز ذلك بشكل واضح من خلال الشكلين التاليين:

الشكل 1: الاقتصادي هو الوسيط الوحيد بين البنك الدولي والمعرفة العلمية

الشكل 2: تعدد الوسطاء المعرفيين للبنك الدولي خاصة من العلوم الإنسانية

  • السوسيولوجيا والبنك: من اقتحام القلعة إلى تطويرها

تم إذن إقتحام البنك الدولي ببطء، لكن بثبات، وهذا الإقتحام سيساهم في مجموعة من التحولات ستعرفها المؤسسة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، إن على مستوى المشاريع أو البرامج. إن المؤسسة تحركها دوافع براغماتية في آليات اشتغالها، كيف لا، وهي تنتمي لإقتصاد عالمي روحه وجوهره الرأسمالية، وهذا ما سيضطرها إلى التخلي عن مركزيتها ورؤيتها الأحادية للتنمية التي سبق الحديث عنها في البحث المشار إليه أعلاه، حيث سيتم الإعتراف بالتعدد والتنوع الثقافي و “بالإختلافات المعاصرة بين الثقافات القائمة”[28]، كما أشارت إلى ذلك أيضا مارغريت ميد[29]،بل إن التغيرات ستشمل الثقافة الداخلية للبنك، فبصفته وكالة تنمية ولكي يتم فهم الثقافات الأخرى والاعتراف بها، كان من الضروري أيضًا أن يفهم الأنثروبولوجيين ثقافة البنك ليكونوا قادرين على الصمود أمام بيروقراطية وصلابة المشتغلين داخل المؤسسة والذين تهيمن عليهم المقاربة الإقتصادية. إن فهم ثقافة المؤسسة هو المحطة الأولى التي سيليها تغيير في هذه الثقافة وباستمرار. فأفضل الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع في البنك الدولي، هم الذين اشتغلوا بمنطق الفاعل الذي يشتغل وفق ميثاق المؤسسة ويسعى إلى خلق هامش للتطوير[30]، ولذلك يصرح كبير علماء الإجتماع في البنك سابقا مايكل سيرينا، أن أفضل الأنثروبولوجيين وعلماء الإجتماع هم الذين نجحوا في فهم ثقافة البنك بشكل أفضل، و”الذين بدلاً من الخضوع لها، أخذوها بعين الاعتبار وشاركوا كعناصر فاعلة داخلية”[31]. لقد تم بذل جهد كبير من أجل الإقناع والتشجيع على استغلال العلوم الاجتماعية غير الإقتصادية في سياق التنمية، وقد استفادت هذه الجهود والإبتكارات أيضا من برامج التطوير التي قام بها البنك، وهو ما انعكس على علماء الإجتماع أنفسهم.

3.2   وأخيرا، الإقتصادي يعترف بالسوسيولوجي!

هناك ملاحظة أساسية، وهي أن لغة الإعتراف بالعلوم الإجتماعية غير الإقتصادية ستعرف طريقها إلى الإقتصاديين أنفسهم، فقد بدا واضحا اعتمادهم بشكل كبير على السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا لفهم طبيعة الظواهر الاقتصادية بشكل أفضل. في هذا الإطار يمكن القول إن جوائز نوبل للإقتصاد الأخيرة، سواء كانت “لأمارتيا صن” (Amartya Kumar Sen)[32]، أو “جوزيف ستيغليتز”(Joseph E. Stiglitz)[33]، أو “غاري بيكر” (Gary S. Becker)[34]، اعتمدت بشكل كبير في معاييرها على العلوم الاجتماعية غير الاقتصادية، ويمكن القول أيضا أن هذا الإنجاز بدوره يعد اقتحاما من السوسيولوجيا خاصة لقلعة علمية عتيدة تعنى بأرقى الجوائز العالمية. بل إن هذا الاقتحام سيصل إلى أعلى تراتبية البنك، وتحديدا سنة 2012، إذ أن الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما”(barack Obama) سيعين الأنثروبولوجي والطبيب ذي الأصل الكوري “جيم يونغ كيم”(Jim Yong Kim) مديرا للبنك[35]، وقد اعتبر هذا التعيين في حينها زلزالا داخل هذه المؤسسة العالمية. فهل من الممكن أن يستفيد

علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين في البنك الدولي من إهتمام السياسيين أو من الاقتصاديين؟ (يتبع في الجزء الثاني من المقال)

  • مصدر المقال: نورالدين لشكر، الهوية الإيديولوجية والمعرفية للبرامج التدخلية للمؤسسات الدولية: البنك الدولي نموذجا، مقال، المجلة المغربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية: قيم، العدد: 2، مكناس، المغرب، 2020.

المراجع:

[1] Michel Goldman, Imperial Nature, The World Bank and Struggles for Social Justice in the Age of Globalization, 2005. CT : Yale University Press, London.

[2] يمكن العودة هنا لأغلب الوثائق الصادرة عن البنك، تقارير دورية أو سنوية، ورقية أو رقمية، ويمكن أيضا العودة لموقع البنك الرسمي على الإنترنيت وهو بست لغات عالمية على الرابط التالي: https://www.worldbank.org

[3]مايكل غولدمان عالم اجتماع أمريكي، حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كاليفورنيا سنة 1994، يعمل حاليا بجامعة مينيسوتا الأمريكية –شعبة علم الإجتماع، إهتم بالسياسيات الاقتصادية والسوسيولوجيا الحضرية، عمل خبيرا لدى البنك الدولي في التنمية، مارس نقدا لاذعا لسياسات البنك في كتابه “طبيعة إمبريالية” والذي سيكون من أبرز المراجع لهذا المقال.

[4]Michel Goldman, Imperial Nature

[5]  ترفق لائحة مدراء البنك على التوالي في آخر المقال، من إنجاز الباحث

[6]– يمكن إدراج هنا بعض الأسماء مثل:

– جوزيف ستيغليتز (Joseph E. Stiglitz) إقتصادي وأكاديمي أميركي، حائز على جائزة نوبل في الإقتصاد سنة 2001 لإسهاماته النظرية في مجال الاقتصاد. يُعَدُّ من أبرز الاقتصاديين المحسوبين على تيار الكينزيين الجدد، إلتحق بالبنك الدولي سنة 1997 وشغل به منصب الاقتصادي الأول إلى حدود سنة 2000، وبعدها عُرف بمعارضته الشديدة للسياسات الاقتصادية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي.

-بول بريمر Paul Michael Romer)‏) حائز على جائزة نوبل في الإقتصاد وصاحب نظرية النمو الداخلي.

[7]– فريدمان ميلتون (Milton Friedman، 1912-2006)، حائز على جائزة نوبل في الإقتصاد سنة 1976، يعتبر من مجددي نظرية “جون كينز” الإقتصادية، عمل مستشارا لكل من الرئيس ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، تخرج على يده العديد من الخبراء البارزين في العالم، واعتبرته مجلة الإكونوميست البريطانية بأنّه ثاني أكثر الاقتصاديين شعبية في القرن العشرين بعد “جون كينز”.

[8] أرنست فولف (Ernst Wolff) نشأ بإحدى الجزر بجنوب شرق آسيا ثم هاجر إلى ألمانيا ليكمل دراسته هناك، وانتقل  بعدها إلى أمريكا ليدرس الفلسفة والتاريخ بإحدى جامعاتها، عمل أستاذا للفلسفة في جامعة بريتوريا بجنوب إفريقيا، وكان جل تركيزه على نقد النظام المالي العالمي، وخاصة دور صندوق النقد والبنك العالمي وباقي المؤسسات المالية الكبرى.

[9] يذكر هنا على سبيل المثال التحالف الذي دمر الاقتصاد الأرجنتيني، و”يضم بالإضافة إلى فريدمان الذي كان يقود مدرسة شيكاغو كل من صندوق النقد الدولي والديكتاتور بنوشيه”، لمزيد من التفاصيل يمكن العودة إلى المرجع التالي:

– أرنست فولف، صندوق النقد الدولي: قوة عظمى في الساحة العالمية، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت، العدد: 435، أبريل 2016.

[10]– ن.م.س، ونفس الصفحة

[11] نشر مقال للباحث حول هذه الدراسة بمجلة الحوار المتمدن سنة 2012 على جزأين، أنظر الرابط التالي: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=360632&r=0

[12] في إحدى فصول البحث المشار إليه أعلاه، والمتعلق بالبنك الدولي وسياق التأسيس، تم الحديث عن طبيعة الصراع بين هاتين الدوليتين داخل مؤسسة البنك الدولي.

[13]صندوق النقد، م، س

[14] نفسه.

[15] في هذا الإطار وبسبب هذه السياسات الليبرالية الاختزالية، والتي تعتمد على خبراء اقتصاديين من نوع خاص، عرف العالم في النصف الثاني من القرن العشرين موجات كبرى من العصيان المدني والثورات والإحتجاجات، أدت إلى ردود أفعال عنيفة من السلطات راح ضحيتها مئات القتلى، ففي يناير 1977 اندلعت ثورة في كبريات المدن المصرية ضد سياسات صندوق النقد والبنك الدولي التي تطالب بشطب الدعم من المواد الأساسية.  وفي المغرب أيضا، وفي نفس الفترة، كانت النقابات قد اعلنت إضرابا عاما سنة 1981 بسبب أن الصندوق ربط منح قرض بقيمة 1.2 مليار دولار بإلغاء الإنفاق الحكومي المخصص لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية. ولم يقتصر الأمر على مصر والمغرب بل إن موجة الاضطرابات مست دولا عديدة بسبب سياسة التقشف التي كانت هذه المؤسسة المالية تفرضها على ميزانيات الدول. أنظر للمزيد من التفاصيل نفس المرجع السابق.

[16] هي عشرة مبادئ تم إعلانها في “اتفاق واشنطن” قام بصياغتها الخبير والمستشار للصندوق “جون ويليامسون” (John Williamson)، لمزيد من التفاصيل أنظر: -اتفاق واشنطن، التنمية والتمويل، مجلة البنك الدولي، شتنبر 2002، المجلد 40، العدد:3

[17] أرنست فولف، صندوق النقد الدولي.

[18] هذا التحديد تمت مناقشته في الفصل الأول من بحث الدكتوراه حول موضوع: سوسيولوجيا الخبرة والخبراء.

[19] في هذا الإطار يمكن استحضار مساهمات عديدة مثل:

  • Frédéric GRABER. Figures historiques de l’expertise. Tracés, Revue de sciences humaines. N°16/2009.
  • Corinne Delmas, Sociologie politique de l’expertise, La Découverte, 9 bis, rue Abel-Hovelacque, 75013, Paris.
  • Dubet François, Sociologie de l’expérience. Revue française de sociologie, Année 1996, 1- 37

[20] من خلال قاعدة بيانات البنك الدولي يقدم هذا الأخير خبراءه، الذين يفوق عددهم 1700 خبير من شتى التخصصات، حيث تم أخذ عينة تفوق 400 خبير وتم تحليل المعطيات حولها بما يلائم طبيعة موضوع البحث.

[21] في هذه الصفحة والصفحات الموالية سيتم الإعتماد على أستاذ الأنثروبولوجيا والقضايا الدولية بجامعة جورج واشنطن، وكبير مستشاري العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع في البنك الدولي “مايكل م. سيرنيا”(Michael M. Cernea)، باعتباره أول ملتحق بالبنك الدولي كخبير سوسيولوجي، ومن خيرة من قدم إسهامات علمية أنارت طريق هذا البحث.

[22] Michael M. Cernea, Les sciences sociales confrontées au développement, sous la direction de Jean pierre Gern, E. Harmattan, juin 2006, Paris,

[23] Michel Goldman, Imperial Nature

[24] O.p.

[25]مايكل م. سيرنيا، سبق تعريفه.

[26] ن، م، س.

[27]– في هذا الإطار ينبغي استحضار أسماء سوسيولوجية مغربية عديدة ساهمت في تلك التقارير، ك: د المختار الهراس، د ادريس بنسعيد، د أحمد بوزيان، إلخ، ناهيك عن خبراء من تخصصات أخرى، يذكر على سبيل المثال، د عبد السلام فزوان، د نجيب أقصبي، إلخ. وقد تم إجراء مقابلات مع عدد منهم في إطار هذا البحث.

[28]O.p.

[29] “مارغريت ميد”(Margaret Mead)1901 -1978، أنثروبولوجية أمريكية اشتهرت خلال الستينيات من القرن العشرين. حاصلة على الدكتوراه من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

[30]– سبق الحديث في الفصل الخاص بالخبرة والمؤسسة عن هذه النقطة تحديدا.

[31] م، س،

[32]– اقتصادي وعالم اجتماع بنغالي، حائز على جائزة نوبل للإقتصاد، صاحب الكتاب الشهير: “التنمية حرية”، اعتمد في كتابه على تحليلات سوسيولوجية.

[33]– اقتصادي وأكاديمي أميركي، يحسب على تيار الكينزيين الجدد، وعُرف بمعارضته الشديدة للسياسات الاقتصادية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، وخاصة البنك الدولي، حيث شغل فيه مناصب عليا، أبرزها كبير الإقتصاديين ونائب الرئيس. له كتابات عديدة متأثرة بالتحليل السوسيولوجي، أبرزها: -“السقوط الحر”، “انتصار الجشع”، “خيبات العولمة”، “ثمن اللامساواة”.

[34]– اقتصادي أمريكي، دكتوراه في الفلسفة وعالم اجتماع، له أطروحة تحضر فيها السوسيولوجيا إلى جنب الإقتصاد، حيث تبرز العلاقة بين الأسرة وعدم المساواة والنمو الإقتصادي.

[35] أنظر جدول رؤساء البنك في الصفحة الأخيرة من هذا المقال.

تعليقات